عزز خطاب الملك محمد السادس، مساء 9 مارس، التباين الذي يعرفه المشهد السياسي بين فريقين أساسيين، الأول يدفع في اتجاه تعزيز مواقع النظام القائم وترسيخ أقدامه وتزكيته وتجميله والتهليل لكل حركة من حركاته، ويُجَيِّشُ من أجل هذا كل رموزه وسياسييه وإعلامييه لما أسماه حينًا نسخة جديدة من ثورة الملك والشعب)، واعتبره حينا فرصة تتيح للشعب العيش بكرامة) في اعتراف فاضح أنه لا كرامة لهذا الشعب، وأطلق حينا على الملك لقب الملك الثائر)، فيما لا يعدو في حقيقة الأمر فرزا واضحا لحقيقة الجوقة السياسية والإعلامية التي أعياها طول اللعب على حبلين في آن فاختارت أن تستريح على وحدانية حبل الوضع القائم… وطَرْحُ هذا الفريق ورؤيتُه وتحليلُه لخطاب الملك لا يحتاج إلى عرض أو شرح أو مزيد تفصيل، فالآلة الإعلامية التي يحركها النظام أو يتحرك بها متطوعوه تُغْنِي عن المزيد. وتكفي الإشارة إلى أن هذا الفريق يرى أن الملك استجاب لمطالب الشعب الذي خرج في أكثر من خمسين مدينة فلم يعد من مبرر معقول، حسبهم، لخروج الشباب إلى الشارع للمطالبة بتحقيق مطالبه.

أما الفريق الثاني فهو يتحفظ على الخطاب الملكي بناء على طبيعة النظام القائم منذ قرون والذي لا يُتَصَوَّر أن يتنازل عن مكتسباته وامتيازاته ومصالحه بالسهولة التي يتصورها ويروج لها الفريق الأول، ويتحفظ على هذا الخطاب بناء على مضمونه والطريقة التي اختارها واتكأ عليها في تنزيل فكرته، وبناء على أهدافه ومراميه وسياقه المحلي والإقليمي والدولي. وهذا الفريق الثاني وإن كان يجد في عمق الشعب صدى أقوى لمواقفه واختياراته، إلا أنه يشكو من انخفاض السقف الإعلامي المتاح له، ومن انحسار المساحة الميدانية التي يتحرك فيها بسبب ما تعانيه كلمته من حصار وتضييق. وهذا ما يدفعنا للتركيز عليه في قراءة خطاب الملك، حسب ما قدمته رموزه من تصريحات إعلامية وما صدر عنه من بيانات وبلاغات.

لا يخرج عن نطاق الدساتير الممنوحة

وهكذا اعتبر الأستاذ النقيب عبد الرحمن بنعمرو أن الدستور المنتظر لن يخرج عن نطاق الدساتير الممنوحة التي عرفها المغرب)، واعتبر أن توسيع صلاحيات الوزير الأول وتوسيع صلاحيات البرلمان غير كافية، حيث يلاحظ احتفاظ الملك بإمارة المؤمنين، أي بالفصل 19 من الدستور الذي يمنحه اختصاصات لا حدود لها).

وعلق الأستاذ فتح الله أرسلان الناطق الرسمي باسم جماعة العدل والإحسان على الخطاب بقوله: الخطاب أعلن عن تعديل دستوري لكن بنفس الأسلوب المطابق كليا للدساتير السابقة أي دستور ممنوح بقرار فردي بدءا من تعيين اللجنة وتحديد شروطها ومعاييرها وقيودها ورسم دائرة تحركها وسقفها الزمني والحسم في نتائجها. وبهذا تفتقد إلى أبسط متطلبات الدستور الديمقراطي وهي أن تكون اللجنة شعبية المنشأ، وحرة في التحرك والاجتهاد من غير خطوط ولا قيود، ومستقلة في القرار، ثم الرجوع إلى الشعب للحسم بعدما يكون المجال مفتوحا لكل المكونات والآراء لتتحدث إليه بحرية. ونظرا لأن هذا الشرط هو الحاسم فقد كان أهم غائب عن التدبير الرسمي، فكيف يتصور دستور شعبي ديمقراطي وهو ممنوح من جهة واحدة تحتكر وضعه والترويج الإعلامي له، ولا يسمح فيه للمعارضين لا بحرية الحركة ولا التعبير). ورأى بأن هذه الأجواء هي التي أفرزت الدساتير السابقة المرسومة بدايتها والمعروفة نتائجها. ففي ظل سيادة عقلية الوصاية على الشعب والاستمرار في سلب إرادته فلن يكون الاستفتاء إلا ورقة صماء في صندوق زائف يجسد الإصرار على إنتاج دستور يرسخ الهيمنة والاستبداد). أما عن الهدف من مبادرة الدستور الجديد فيعق الأستاذ أرسلان بقوله: في غياب الأسس التي تشكل مكونات إرادة التغيير الجاد لن يكون من غرض لما تم إعلانه سوى ربح الوقت لاحتواء الغضب الشعبي وتفويت فرصة حقيقية على الشعب كي يحقق مطالبه المشروعة.)

الملك يستفرد بالسلطة التأسيسية

من جهتها أصدرت الكتابة الوطنية للنهج الديمقراطي الصيغة الرسمية لإجراء تعديلات دستورية المعلن عنها يوم الخميس 9 مارس 2011 في خطاب الملك، وأصدرت بينا أعلنت فيه: إن هذه المبادرة تكرس مرة أخرى أسلوب الدساتير الممنوحة من فوق، حيث يستفرد الملك ويستأثر بالسلطة التأسيسية، في ظل الاستمرارية للخط الذي سار عليه النظام منذ الدستور الأول سنة 1962. وعلى مستوى المضمون فان الأمر يتعلق برتوش لا تمكن من القطع مع نظام الاستبداد والحكم الفردي المطلق، حيث يحتفظ الملك بإمارة المؤمنين وبصلاحيات لامحدودة يكثفها الفصل 19، وتتناقض مع مبدأ المسؤولية الذي يتمثل في أن الذي يحكم يجب أن يخضع للمحاسبة). وأكدت بالتالي بأن هذه المبادرة لا تشكل على الإطلاق جوابا مقنعا وشاملا لمطالب حركة النضال من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية التي ظهرت عقب 20 فبراير فهي تحصر قضية الدستور في تعديله بشكل لا يمس جوهر النظام السياسي بينما المطلوب تغييره تغييرا جذريا وهي تتجاهل مطالب الحركة الديمقراطية في حل البرلمان والمجالس والحكومة وعزل رموز المافيا المخزنية المسئولين عن الجرائم السياسية والاقتصادية. إنها تهدف في واقع الأمر إلى احتواء هذه الحركة وحشرها في الانتظارية وزرع الأوهام وسطها وتقسيمها وتسهيل قمعها).

ورأى حزب النهج الديمقراطي بأن الحل يتمثل في بلورة دستور ديمقراطي من طرف مجلس تأسيسي منتخب، دستور يجسد إرادة الشعب المغربي باعتباره صاحب السيادة ومصدر السلطة، ويقطع مع نظام الحكم الفردي المطلق)، وبناء يؤكد النــهج الديمقراطــي انخراطه في كل المبادرات النضالية وفي مقدمتها مسيرات 20 مارس في كل مناطق بلادنا حتى تحقيق النصر.)

الخطاب.. جواب سلبي على مطالب الشباب

واعتبر الحقوقي المغربي الأستاذ سيون أسيدون أن الخطاب يتضمن جوابا سلبيا على مطالب الحركة الشبابية) التي يرى أن لديها اليوم أسباب أكثر للخروج). ويرى أسيدون أن عموم الناس في البلاد سيشعرون بأنهم غير معنيين بهذه العملية وهذا النقاش لأن مشاكلهم لا تزال قائمة والجدل الحاصل لن يحد منها).

أما الأستاذة ندية ياسين، القيادية في جماعة العدل والإحسان، فوضعت علامة استفهام على الفصل 19 وقداسة الملك وعدم خضوعه للمحاسبة والصلاحيات الواسعة التي يمنحها لأشخاص به مما يؤدي إلى انتشار الفساد والارتشاء)، واعتبرت أن الخطاب يعمل على إجراء عملية تجميلية للدستور لا تغير في الجوهر شيئا).

ومن جهتها رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان الأستاذة خديجة الرياضي فحيت الحركة الشبابية على الدور المهم الذي لعبته والذي ساهم به لدفع الدولة إلى فتح هذا الورش المتعلق بالإصلاح الدستوري)، واعتبرت الشكل الذي تم من خلاله الإعلان عن هذه الإصلاحات فهو للأسف جاء بشكل أحادي، والمضامين الأساسية للدستور تم الحسم فيها مسبقا، كما نلمس استمرار المقدس في الدستور، كما أن تشكيل اللجنة التي ستشرف على هذا الدستور يتنافى مع الهيئة التأسيسية التي تطالب بتغيير الدستور).

في حين قال الكاتب العام لشبيبة العدل والإحسان الأستاذ حسن بناجح خطاب الملك لم يأت بجديد، فكل ما أتى به لم يمس الصلاحيات المطلقة للملك، وأبقى على صفة القداسة والصفة الدينية، ولم يتحدث عن هيمنة القصر ومحيطه على اقتصاد المغرب وثرواته، وأصر على نفس الأسلوب الذي اعتمده الحسن الثاني في وضع الدساتير السابقة من خلال تعيين لجنة وتحديد اختصاصها وصلاحيتها وتقييدها بمساحة محددة ضيقة وجدولة عملها. إضافة إلى الاحتفاظ لنفسه بالهيمنة على الإدارة الحالية التي ستعمل على توفير الدعاية الإعلامية والضغط على الشعب بنفس الأساليب المخزنية التقليدية لتزييف إرادته في الاستفتاء المزعوم.)

شباب 20 فبراير: سنواصل الاحتجاجات

أما شباب 20 فبراير فلم يكونوا أقل فطنة من السياسيين المخضرمين، فاعتبر أسامة الخليفي أن هناك محاولة للالتفاف على مطالبنا المرتبطة بإلغاء الدستور الحالي وتشكيل مجلس تأسيسي لصياغة دستور جديد)، ورأى عبد الحق العمراني أن الخطاب جاء لاحتواء الأزمة في ظل الانتفاضات العربية وإزالة الشرعية عن احتجاجات 20 مارس القادمة)، بينما فوجئت كاميليا رويان بـاستمرار النهج الذي يستعمله المخزن للتفاعل مع مطالب الحركة والقاضي بتكريس التعيين الفوقي).

ومن جهته قال محمد بلفول، أحد المتحدثين الإعلاميين باسم حركة 20 فبراير بالدار البيضاء، ثمة إجماع من قبل كل أطراف الحركة بأن الخطاب لم يستجب لمطالبنا، إذ سجلنا في اجتماع أمس الخميس أن نفس عقلية الوصاية والعطايا والراعية والرعية هي المستمرة)، وأضاف وبغض النظر عن بعض الإشارات الإيجابية، والتي شعاراتنا ومطالبنا أكبر منها بكثير، فإن الخطاب لم يستجب بتاتا لمطالب الحركة الواضحة).

وبناء على ذلك أكد بلفول بأن تحقق شبه إجماع في الجمع العام لحركة 20 فبراير بالدار البيضاء بأن نواصل الحركة الاحتجاجية والمطلبية والنزول إلى الشارع، وحددنا محطات متواصلة أهمها النزول كل يوم أحد إلى الشارع للاحتجاج ومواصلة المطالبة بالتغيير الشامل، وسط الاستعدادات المكثفة للتظاهر يوم 20 مارس.)

الخطوة الصحيحة

أما عن المنطلق الصحيح في المسار الدستوري فيرى الباحث السياسي الدكتور محمد منار أنه لن تكون الخطوة الصحيحة في المسار الدستوري إلا بالخروج من ذلك الطريق السيار، الذي انطلق بخطوة غير صحيحة، والذي رسمه الملك لنفسه، وسايرته فيه الأحزاب بعد فترة ممانعة، أصبحت بحكم ثقافة الهزيمة مدانة حتى من أبطالها، الذين قدموا تضحيات جسام).

وعن الخطوة الصحيحة، رأى منار في مقال تحليلي بعنوان “من أجل خطوة صحيحة في المسار الدستوري”، فهي تتمثل في جمعية أو مجلس تأسيسي منتخب انتخابا حقيقيا عاما وحرا ونزيها. من شأن هذا المجلس أن يعيد الأمور إلى نصابها. فتعود السيادة إلى الأمة بعد طول استلاب، وتتحدد السلط وتتضح بعد طول غموض، وتتقرر المسؤوليات بعد أن عشنا ردحا من الزمن وضعا مقلوبا، من بيده القرار لا يحاسب ومن لا قرار له يحاسبه الجميع، على الأقل كلاميا، دون أن يستطيع القول لا سلطة لي في اتخاذ القرار. من شأن المجلس أو الجمعية التأسيسية أن تخرجنا من تلك المغالاة في استثمار منظومة الرموز والتمثلات إلى مؤسسات قوية فاعلة ومسؤولة. كل في ميدانه ومجاله. ولا مكان من قريب أو بعيد لتركيز السلطة واحتكارها.

)