لم يكن الذين حكموا من أهل المغرب منفكين عن وهم الاستثناء حتى تأتيهم البينة. فما كادت تطلق أول دعوة للاحتجاج حتى بدأت بوادر الارتباك في التعامل السياسي والميداني معها تلوح في الأفق، واتضح للعيان اتساع الشرخ بين الواقع الشاب والتصور المخزني الهرم.

لقد باتت الغضبة الشعبية حقيقة، وحدث ما لم يكن في حسبان الغافلين المتعامين، وجاءت البينة مدوية تعلن على لسان الشباب أن زمن الهوان ولى وألا خيار أمام الحاكمين إلا الانحناء من وهم عليائهم للاستماع إلى نداء التغيير و التسليم لواقع الهبة المباركة التي عمت أمة الإسلام ولا يبدو أنها ستنتهي حتى تلتقي بقدر الله وبشارة رسول الله.

حركة رصينة محرجة

ومن حسن حظ هذا البلد أن غضبة أبنائه بدأت رصينة رحيمة تسر الصادقين وتحرج المتربصين، فكان أول ما أسقطت من ادعاءات البهتان هو الشك في هوية الداعين للتغيير حيث حمل مشعل الحركة – إلا ما رشح من استثناء- شباب أفصحوا عن صدق طلبهم وتجرد رجائهم في التغيير من أي ارتباط خارجي أو نية تخريبية.

ثم بعثت برسالة ثانية لم يعي المحللون في فك شفرتها مفادها أن ما سعى الاستبداد لتفريقه لسنوات لا يمكن إلا أن يجتمع على كلمة سواء، هي رفض الظلم أيا كان عنوانه والتضامن لنصرة المظلوم مهما اختلفت الدوافع.

وهذا سلوك الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي أبدى استعداده للدخول في أي تحالف ضد الظلم مهما كانت حيثيات المتعاقدين، وأعطى المثال بحلف الفضول حيث قال كما ورد في سيرة ابن هشام: “لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت”. وحلف الفضول هو عقد تعاهدت بموجبه مجموعة من قبائل قريش ألا يجدوا بمكة مظلوما إلا نصروه وكانوا معه حتى يأخذ مظلمته.

وكانت ثالثة الأثافي أن جاءت الحركة سلمية رافضة للعنف في قالب جميل وسقف مطلبي واضح، مما فوت الفرصة على الكائدين والمتربصين.

إجابات عبثية مخطئة

إن هذه التحية التي وجهتها حركة التغيير لمن يهمهم الأمر لم ترد بأحسن منها ولا بمثلها، بل جاءت الردود متذبذبة مترددة تتراوح بين القمع الشديد أحيانا والرغبة في الظهور بهيئة المتفهم المستجيب أحيانا أخرى. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الأمر واحد من شيئين: إما أن الرسالة لم تفتح من طرف جهة واحدة فجاءت الأفهام متفاوتة والإجابات متعددة، وإما أن من فتحها قد فقد البوصلة فبدأ يجرب جميع الاتجاهات لعله يجد السبيل للخروج من هذه المتاهة دون انتباه لما قد يواجهه من أخطار الطريق أو لقيمة الوقت الذي يضيعه في البحث سدى ويضيع معه فرصة المصالحة مع الأمة والتاريخ.

إن ما تم اتخاذه من إجراءات بعد 20 فبراير يذكرنا حذو القدة بالقدة بما تم تنزيله من قرارات لتلميع صورة المخزن غداة ما سمي بالعهد الجديد، من إطلاق سراح بعض المعتقلين واستثناء آخرين، إلى تأسيس المزيد من المجالس التي يصرف عليها دون جدوى من جيوب المواطنين، مرورا بتشغيل بعض الأطر وتغيير بعض الرموز وإلقاء المزيد من الوعود، فما هي إلا أيام حتى انقشعت الغشاوة واتضح للجميع أن دار لقمان لازالت على حالها.

كما يذكرنا وللأسف كذلك بالتعامل الذي انتهجته السلطات قي كل من مصر وتونس، وهو المسار الذي أثبت فشله. وكأني بكلمات المجاهد موسى بن نصير تقرع في كل مرة سمع هؤلاء، وهي التي قالها عند عزمه فتح إفريقيا مستفيدا من الأخطاء التي ارتكبها عقبة بن نافع رحمه الله، (مثال نورده مع اعتبار الفارق في النية والسبق والمقام): رحم الله أخي عقبة …. ألم يكن معه رجل رشيد؟!).

فهل نكون من البلادة حتى نقبل أن نلدغ من الجحر مرات عديدة؟ أم أن المعنيين بالأمر سيظهرون من الرشد ما يجعلهم يحسنون استثمار فرصة النضج الذي اتسمت به مطالب المحتجين؟!. أليس فيكم رجل رشيد؟!)