يعد الشعار من الناحية السياسية مضمونا يلخص مطلبا أو يعبر عن موقف أو حاجة، يريد الذين يرفعونه أن يبلغوها للطرف الآخر، الذي عليه أن يستوعب هذا المضمون ويستجيب لهذا المطلب ويعي هذا الموقف. ومن الناحية الوظيفية هو شكل من أشكال التعبئة والتحريض، إضافة إلى ذلك هو آلية من آليات التوعية السياسية والتعبئة الاجتماعية لا يستغني عنها أي شكل من أشكال التظاهر والاحتجاج.

أظهرت الثورات الحالية في الدول العربية ما للشعار من أهمية وخطورة، حيث لخص الشعب المصري كل مطالبه وعبر عن سقف احتجاجاته بترديده في كل شوارع مصر بلسان واحد من طرف كل أبناء الشعب المصري، على اختلاف دياناتهم وإيديولوجياتهم الشعب يريد إسقاط النظام)، حتى في آخر ساعات نظام مبارك وهو يحاول الالتفاف على مطلب الشعب في التغيير الحقيقي حين دعا بعض الهيئات السياسية إلى الحوار، واشترط عليهم التخلي عن هذا الشعار قبل الجلوس إلى الحوار والتفاوض، لكن أصر الشعب على مطلبه وثبت على شعاره أنه يريد إسقاط النظام) أولا. ولم يكن الشعب التونسي في بداية ثورته يقول للرئيس المخلوع ارحل dégage) لكن مطالبه كانت اجتماعية: طالب بالحرية والكرامة والخبز، ومع تأجج الثورة الشعبية أخذت الشعارات بدورها تلتهب حتى قال الشعب كله للنظام ارحل dégage). فعبر الرئيس المخلوع أنه فهم شعار الشعب قبيل رحيله لكن فات الأوان، مما يدل على أن “نظام بن علي” كان يصم آذانه عن سماع شعارات الشعب، أو أنه كان لا يعيها وإن سمعها لأنها كانت مدوية في شوارع تونس.

أتساءل وإياك أيها القارئ العزيز هل حكامنا في المغرب يعقدون لقاءات لفهم وتحليل الشعارات التي يرفعها الشباب ومن ورائهم كل الشعب المغربي في مسيراته ووقفاته؟؟ أم أن المخزن عندنا على قدر كبير من غباء بن علي واستهتار مبارك؟ ما كان يسمع لهاته الشعارات أو يأبه بها؟ أم أنه يعتبرها مجرد صرخات وأهازيج يرددها الشباب في كل وقت حتى غدت من الكلام المألوف؟

أظهرت المسيرات الأخيرة التي دعا إليها شباب 20 فبراير وساندها الشعب المغربي أن المخزن فعلا يتأثر بهذه الشعارات، إذ حاول عبر أعوانه وبكل وسائله تفادي أن يقول المغاربة في الشوارع الشعب يريد إسقاط النظام). وما دون ذلك يمكن قوله في هذه المرحلة ولا بأس.

عديدة تلك الشعارات المرفوعة نستعرض وإياكم بعضها لعلنا نلتمس من مضامينها إلى أي مدى يمكن لهذه الشعارات أن تحدد مسارا معينا لاحتجاجات الشباب المغربي الحالية.

يقول الشباب: لا تراجع لا استسلام… المعركة إلى الأمام) غير آبهين لدعاية المخزن وتهديده ووعيده عبر عمال الأقاليم والباشوات، الذين أرادوا الضغط على شباب 20 فبراير ومن يساندهم من هيآت المجتمع المدني وترهيبهم قصد انتزاع توقيعات على التزامات مكتوبة بعدم التظاهر، حيث أبلغوهم أن زمن 20 فبراير وكل تظاهرة أو احتجاج ولو كانت سلمية ستجابه بالقمع والهروات. وهذا ما تم فعلا في بعض المدن المغربية، آخرها المجزرة الوحشية التي ارتكبتها قوات المخزن في حق المتظاهرين العزل بمدينة بأكادير يوم السبت 26 فبراير 2011، والتي خلفت العديد من الإصابات والجرحى في صفوف الشباب الذين نقل بعضهم إلى المستشفيات للعلاج. أكثر من ذلك اعتبر الشباب التهديد بالقمع وممارسته شكل من أشكال الذعر الذي يعاني منه المخزن مرددين يا مخزن يا جبان ** شعب المغرب لا يهان)، وقولهم يا مخزن يا خسيس ** دم الشعب ما هو رخيص)، منادين يا عالم شوف شوف ** المغرب محكوم بالخوف)، وطلبوا من الجماهير أن تثور في وجه الطغاة والمستبدين جماهير ثوري ثوري ** على النظام الديكتاتوري).

فكل محاولات المخزن الالتفاف على مطالب الجماهير أو إطفاءها ببعض المسكنات لا يجدي أمام هذا الإصرار والإقدام، حيث أعلن عن توظيف بعض حملة الشواهد العليا في تجاهل تام لملايين المجازين والتقنيين الذين لا يتحدث عنهم أحد وهم الذين يشكلون القاعد العريضة للبطالة بالمغرب.

وخ تعيا ما تطفي ** غاتشعل غاتشعل ** هي نار الجماهير ** نار قوية غاتشعل)، بمعنى كل محاولات إطفاء لهيب الاحتجاجات لا تجدي، هي نار قوية تستعر، نار الجماهير الغاضبة. وما الفائدة من تغيير الوزارات والحكومات؟ الشعب مل من شعاراتكم الزائفة ونحن -يضيف الشباب- ضحية هذا الوضع القاتم: الحكومة مشات أو جات ** والحالة هي هي ** عييتونا بالشعارات وحنا هم الضحية)، الحكومة برا برا ** البرلمان برا برا ** يا مغربي يا مغربية ** الجهوية عليك وعلي مسرحية)، طلب الشباب من الحكومة والبرلمان الرحيل والجهوية التي يمني بها النظام الشعب مجرد مسرحية هزلية تضاف إلى سلسلة المهازل المضحكة.

لكن اللافت في الاحتجاجات الأخيرة أن جل شعارات الشباب لها مضمون واحد بصيغ مختلفة، الشباب عازم على الصمود والاستمرار حتى تحقيق مطلب آني غير قابل للتسويف والمساومة لخص كل المطالب السابقة ألا وهو التغيير)، أول بند فيه دستور جديد وحكومة تحكم وتحاسب وقضاء مستقل نزيه يحكم بالعدل وحاكم كسائر البشر يصيب ويخطئ يحاسبه الشعب على أخطائه عبر مؤسسات تمثيلية حقيقية هذه إرادة الجماهير ** لا بد من التغيير).

إلى حد الآن الشعب المغربي ردد من شماله إلى جنوبه في مسيراته وتظاهراته: الشعب يريد إسقاط الفساد) لكن إلى أي حد يبقى الشعار المرفوع إسقاط الفساد؟ أم أن وتيرة الاحتجاج تتصاعد مما يستوجب تصعيد لهجة وسقف الشعارات؟ ماذا لو كان الفساد مستشريا في كل دواليب النظام؟ فلكل مرحلة من مراحل النضال الشعبي شعاره المناسب والمعقول.

والأكيد في هذه المرحلة أنه لم يعد للشعارات “الخبزية” الضيقة معنى ما دام الشعب رفع شعارات كبرى تطالب بالتغيير الجدري العميق والشامل.

حاولت أن أقرب لأذهان من يهمه الأمر فحوى شعارات الشباب التي يسمعها القاصي والداني في كل ربوع الوطن، لعله يقرؤها على الورق ليفهمها بروية ومسؤولية، ويتخذها على محمل الجد لا الاستخفاف والاستهتار كما تعامل الحكام مع شعارات شعوبهم في مصر وتونس وليبيا، سمعوها حتى ملتها أذانهم لكن لم يفهموا مغزاها حتى فات الأوان.

اليوم شعارات ترفع، صرخات مدوية في الشوارع وغدا أفعال وسلوكات ستدفع السفينة لتتحرك، وغدا ولعله قريب ثمار ونتائج تصنع واقعا جديدا. إن الغد لناظره قريب.