في أقل من أسبوعين، وبعد الحركات الاحتجاجية الشعبية السلمية يوم 20 فبراير 2011، والتي جاءت مطالبها واضحة ممثلة في إصلاح حقيقي يؤسس لانطلاقة سليمة وجدية لبناء دولة عصرية حقيقية لا شكلية؛ تم الإعلان عن تأسيس مجلسين جديدين: المجلس الاجتماعي والاقتصادي والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، في إشارة من النظام السياسي أنه انخرط في الإصلاح منذ أكثر من عقد، حتى لا يفسر التأسيس على أنه نوع من الاستجابة لمطالب حركة 20 فبراير، ويؤول على أنه اعتراف ضمني بتأثير احتجاجات الشارع على مخزن يأبى أن يرى غيره فاعلا أو مؤثرا في الواقع السياسي للمغرب.

السؤال القديم الجديد هو: ما جدوى هذه المجالس؟ وما القيمة المضافة التي حققتها سابقتها، ويُرجى من لواحقها أن تطورها؟ ما أكثر هذه المجالس بدءً من المجلس الأعلى للماء والمناخ ونهاية بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان! وما أثقل كلفتها المادية على ميزانية الدولة!

لقد دأب المخزن على تأسيس هيئات ومجالس عليا في العهدين قديمه وجديده، يوظفها لتوسيع قاعدة المنافحين عنه، “المسبحين” بفضل نعمته عليهم أن تداركهم العطف المخزني فقربهم وارتضاهم ليُسوقوا وعودا جديدة خلفا لأخرى انتهت صلاحيتها وتبين سرابها.

مجالس عليا استشارية أحيانا وتقريرية أحيانا أخرى، لا تعدو أن تختزل في مقر فاخر وواجهة جذابة ولقاءات دورية أو ندوات مريخية وتقارير تبحث لنفسها عن رقم ترتيبي في قائمة التقارير التي تنوء بها الرفوف المتآكلة. مجالس تتناسل دون جدوى، وإلا ما مصير تقرير المجلس الأعلى للحسابات الذي سمى مؤسسات وهيئات وإدارات متهمة بسوء تدبير المال العام؟ لماذا لم تفعل مساطر المتابعة القضائية لمحاسبة الفاسدين المفسدين العابثين بمقدرات البلد؟ وقبله، كيف تبخرت توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة وتم الالتفاف عليها؟ وما جدوى المجلس الأعلى للتعليم الذي سخرت له الملايير وسُوق له على أنه منقذ المنظومة التعليمية من الإفلاس؟ ما حجم ما تحقق من نتائج ميدانية مقارنة مع الكلفة المالية؟ هل حوصر الهدر المدرسي؟ هل تحسنت مؤشرات الجودة أم إن المدرسة العمومية غدت تخرج الأميين؟

وازدان فراش الشأن الحقوقي بوافد غير جلده القديم بعد أن استنفذ أغراضه، فسمي المجلس الوطني لحقوق الإنسان. المعضلة ليست فيمن يرصد الخروقات الجسيمة، بل في من يُفعِّل وينفذُ. وفي هذا الصدد، ألم يعترف النظام من خلال أعلى سلطة في البلاد أن ملف ما يسمى السلفية الجهادية اعترت معالجاته خروقات وتجاوزات؟ لماذا لم تراجع أحكام هؤلاء المتهمين المسلوبة حقوق وحريات جلهم، المشردة أسرهم، الضائعة أبناؤهم؟ ثم إن هناك أحكاما قضائية نهائية لا تجد طريقا للتنفيذ، وتحول دون تطبيقها أوامر وتعليمات من جهات مخزنية، والحال أن هذه الأحكام صدرت باسم الملك؛ ولا أدل على ذلك من ملف تشميع بيوت أعضاء من جماعة العدل والإحسان صدرت أحكام قضائية ببطلان الإجراء، ومع ذلك فأصحاب البيوت في العراء يعتصمون أمام بيوتهم منذ سنوات.

إن النظام بهذه التدابير، يفضل الهروب إلى الأمام، ربحا للوقت وانتظارا لهدوء العاصفة؛ وفي ذات الحين يبعث رسائل إلى الشعب أن لا قابلية له في الإصلاح أو التغيير، ويؤكد تشبثه بنهج قديم يحدث بموجبه مجالس عليا كلما دعت الضرورة لذلك، يستثمر من خلالها الرصيد السياسي أو النقابي أو العلمي أو الديني أو الفني أو الرياضي لمن راكموا حصيلة قد تفيد في تسويق جرعات جديدة من الوهم، التفافا على المطالب الحقيقية للشعب الذي يتطلع أن يقطع دابر الفساد والمفسدين، ويطمحُ أن يحيى حياة كريمة في بلد ينعم فيه بالحرية والعدالة والكرامة.