أخطأت السلطات السياسية والأمنية في ردها على مطالب المحتجين يوم 20 فبراير الذين خرجوا بالآلاف في عشرات المدن رافعين الورقة الصفراء في وجه أشخاص نافذين وسياسات فاشلة، ومحتجين على الانغلاق السياسي واقتصاد الريع وتدهور الأوضاع وانعدام المساواة، ومطالبين بوضع حد للفساد والاستبداد من خلال صياغة دستور جديد، شكلا ومضمونا، واعتماد سياسات عمومية بديلة تستجيب لحاجات المواطنين وطموحاتهم.

ورغم أن هذا الشكل النضالي كان رمزيا والتعبئة كانت محدودة والهدف كان توجيه إنذار ولفت انتباه فقط، فإن الاستجابة الشعبية كانت تلقائية والأشكال الاحتجاجية كانت سلمية عكست نضجا ووعيا كبيرين، وربما ساهم في ذلك تأطير هذه الوقفات من قبل تنظيمات ذات مصداقية، رغم بعض الانفلاتات المحدودة والتي يمكن اعتبارها استثناء لا تخلو منه مسيرات عفوية عمت 53 عمالة وإقليما في يوم واحد. والأكيد أن الحياد السلبي للسلطات العمومية ساهم بقسط وفير في مضاعفة الخسائر، حيث وقفت تتفرج على أعمال شغب لم تبدأ إلا بعد انتهاء الوقفات ومن عناصر لم تكن مشاركة فيها.

لقد حققت احتجاجات ذلك اليوم أهدافها، فقد ساهمت في إزالة الخوف الوهمي الذي يعشش في عقول شرائح واسعة من المواطنين ويكبل إراداتهم ويعطل طاقاتهم الاحتجاجية، وأعادت الثقة إلى فئات أخرى صارت مقتنعة بأن بإمكان المغاربة الاحتجاج بشكل سلمي لإيصال صوتهم إلى كل من يهمه الأمر، وأحدثت فرزا في المشهد السياسي سيساعد على إعادة تصنيف المكونات السياسية بعيدا عن المعايير التقليدية المتجاوزة والعاجزة وغير الدقيقة، وبينت محدودية الأحزاب الرسمية وضعف جماهيريتها وعدم انسجام مكوناتها، وأشرت على بداية تغيير في ميزان القوى لفائدة المجتمع الذي استرجع زمام المبادرة وبات بإمكانه الحسم من خلال الشارع إن لم يلق آذانا صاغية لصوته ومؤسسات تلتقط رسائله وتعمل على الاستجابة لها أو، على الأقل، التحاور مع ممثليه بشأنها.

لقد كان منتظرا أن تحدث بعد هذا اليوم حالة طوارئ وسط المؤسسات التقريرية وأن يكون الرد استعجاليا بسبب موضوع الاحتجاجات وحجمها وتوقيتها وسياقها وما ترتب عنها، ولكن غاب الرد المباشر لفائدة ردود متفرقة كانت بمثابة رسائل عكسية تؤجج حالة الاحتقان وتستفز المحتجين وتدعوهم إلى رفع سقف المطالب وتوسيع رقعة الاحتجاج، جغرافيا وجماهيريا.

لقد كانت رسالة المحتجين سياسية، وكان يلزم الرد عليها سياسيا وليس أمنيا. ومعنى ذلك أن من يهمه الأمر، سواء كان شخصا أو مؤسسة، لم يفهم الرسالة أو فهمها ويرفض التجاوب

معها.

إن غياب جواب سياسي يفهم منه أن “الدولة” تفتقر إلى مشروع بديل وغير قادرة على ابتكار حلول سياسية، وقد يكون السبب هو عدم الرغبة في الظهور بمظهر الضعيف الذي يخضع لإرادة المحتجين تحت تأثير الضغط، وهذا خطأ قاتل لأن وظيفة مؤسسات الدولة هي حسن الإصغاء للشعب وخدمته والتجاوب مع مطالبه إذا كانت مقتنعة بأن السيادة والرقابة له، وقد يكون السبب ناتجا عن صراع أجنحة ومصالح في مطبخ صناعة القرار، وهذا يعني عدم شعور هؤلاء جميعا بخطورة الوضع واستهانتهم بحساسية اللحظة التي يمر منها البلد والمنطقة.

وثالث خطأ هو الندوة الصحفية لوزير الداخلية التي اقتصر فيها على قراءة تصريح مليء بالفراغات والاستفهامات وعجز فيها عن التواصل مع الصحفيين وسماع أسئلتهم والرد عليها.

لقد كان تصريح السيد الوزير مهزوزا وضعيفا ومستفزا ومليئا بالمتناقضات، حيث اقتصر على سرد إحصاءات، وقزم، بشكل مبالغ فيه، عدد المشاركين في هذه الاحتجاجات، وأعطى الأولوية لإحصاء الخسائر المادية على الخسائر في الأرواح بدون الترحم عليها أو التأسف على فقدانها، وحرص على تشويه الطابع السلمي للاحتجاجات بتضخيم سلوكات بعض المشاغبين التي استنكرها الجميع، وسكت عن سلبية الأجهزة الأمنية التي لم تقم بدورها، وختم بنبرة تهديدية معلنا أن السلطات العمومية ستتصدى، بقوة القانون، لكل ما من شأنه المس بالأمن العام، وكأن هذه السلطات غيبت هذا الإجراء يوم 20 فبراير وتصرفت خارج نطاق القانون أو تهاونت في تنفيذ مقتضياته. ولست في حاجة إلى التعليق على عبارة “كل ما من شأنه”، لأن الجميع يعرف تاريخها وأضرارها.

والخطأ الرابع تجلى في اللجوء، بعد يوم الأحد، إلى منع كل الوقفات وقمع المشاركين فيها والاستعمال العشوائي والمفرط للقوة رغم الأعداد المحدودة للمشاركين ورغم أن بعض هذه الوقفات كان تضامنيا مع الشعب الليبي ولا يتعارض مع الموقف الرسمي للدولة، وبعضها الآخر كان عبارة عن وقفات قطاعية مشروعة. والمثير أن الارتباك وصل مداه حين أقدمت الداخلية على المغامرة بمنع كل الوقفات رغم أن هذا الشكل النضالي لا يحتاج إلى سابق تصريح كما نصت على ذلك أحكام القضاء، وبذلك حولت وزارة الداخلية المغرب إلى بلاد محكومة بقانون طوارئ، مما يفقدها مصداقيتها وسمعتها وبعضا من الشهادات الإيجابية التي ربحتها بعد تعاملها المقبول مع أغلب وقفات 20 فبراير.

وخامس خطأ تمثل في توريط القضاء الذي أصدر أحكاما سريعة وقاسية، مما يؤكد أن ورش إصلاح القضاء لم يبدأ بعد وأنه ما زال جهازا في يد السلطة. فكيف سيفهم المواطن هذه السرعة وهو الذي تعود على أن تتأخر الأحكام في قضايا بسيطة وعادية لسنوات؟

وسادس خطأ تمثل في التصريحات المستفزة لبعض الأحزاب الرسمية التي اصطف قادتها وراء ميكروفون التلفزة العمومية، في منظر بئيس ومقزز، لمهاجمة المحتجين، إضافة إلى حرص بعض الأحزاب على ركوب الموجة والالتفاف على مطالب التغيير التي رفعها المحتجون، أو المزايدة عليهم بأن هذه المطالب تبنتها هذه الأحزاب قبل 20 فبراير. الموضوع ليس من سبق في إثارة هذه المطالب وإنما من تبناها وناضل واستمات لتحقيقها، هذا هو ما يميز الحزب الحقيقي عن المقاولات الانتخابية.

وتمثل الخطأ السابع في حصر النقاش السياسي حول تعديل حكومي، مع العلم بأن الحكومة لا تصنع سياسة عمومية ولا تملك سلطة ولا تتحكم في المؤسسات العمومية، وأعضاؤها مجرد موظفين، وأغلبهم لم يتخلَّ عن خطابه البعيد عن نبض الشارع وغير المتجاوب مع حساسية الظرفية التي تمر منها البلاد.

إن كل هذه الأخطاء دليل على الارتباك والتردد والارتجال والتجاهل وغياب مشروع مجتمعي وأجوبة عملية عن مطالب لا يجادل أحد في مشروعيتها وملحاحيتها والحاجة إليها. وهذه كلها مؤشرات على أن رسالة المحتجين لم تصل، أو ربما وصلت ولم تفهم، أو ربما فهمت وليست هناك رغبة في التجاوب معها.

على كل من يهمه أمر البلاد تحمل مسؤوليته، فعقارب الساعة لا ترجع إلى الوراء، وليس هناك من حل لهذا الاحتقان إلا الاستجابة لهذه المطالب بدون مناورة أو تباطؤ أو استهانة.

هذه هي الوصفة التي من شأنها الحفاظ على أمن واستقرار البلاد، وهي رافعة التنمية، وهي الطريق إلى مغرب الكرامة والعدالة.