1. الموعد مع التاريخ

إن التاريخ حركة ممتدة في الزمن له قواعده وسننه الكاملة والمتكاملة، ومن ثم فحركة الكون لا تجامل أحدا لما في ذلك من حكمة بالغة، وهي حقيقة العدل.

فمهما كانت حركة الناس ومهما كانت آثار أفعالهم وتصرفاتهم، أفرادا وجماعات وأمما، لن تخرج إطلاقا عن دائرة النظام العام للكون، وهو السر في معنى تحريم الظلم بكل أشكاله وألوانه وصوره لأنه جالب لكل أنواع الفساد والإفساد والتخريب. وهو ما يجعل، حتما، أن قيم الفساد وأركانه غير مقبولة ولا يملك أي فرد يحمل في طياته ذرة من معنى الإنسانية إلا أن يرفضها وينتفض ضدها ويضحي من أجل انحصارها وزوالها.

فزحف القيم النبيلة على القيم السلبية والظالمة للإنسانية حركة مستمرة، وهي في كر وفر وفق الظروف المحيطة بها حتى تحقيق شرطين ليكون الحسم النهائي:

الأول: وعي الأمة الذاتي الكامل بالذات.

الثاني: التحام درجة هذا الوعي الضروري بالإرادة الفردية والجماعية، ساعتها يكون التنفيذ الميداني من خلال إنجاز واقع الثورة الواعية والمنتظمة بقيمها الحقيقية المتحركة في اتجاه أهدافها ومقاصدها بكل إصرار وحزم وثقة ويقين.

وبناء على تحقيق هذين الشرطين الكبيرين تبدأ مرحلة التحول التاريخي بشكل كامل فتتجاوز حركة التاريخ كل من لم يكن في هذا الموعد، وإن سمحت له بالالتحاق بها لما في ذلك من مصالح عامة، ما لم تكن أهداف ومقاصد المتخلفين عن الموعد متعارضة مع روح الثورة، لأن معارضي إرادة الأمة مآلهم مزبلة التاريخ في جميع الأحوال، ذلك أن هذه الإرادة الجامعة متوافقة مع جوهر حركة التاريخ المتوافقة مع إرادة الله تعالى من حركة كونه، وإرادته سبحانه وتعالى في الكون أن تقوم العلاقات بين الناس والأمم على أساس العدل، ولذلك عد العلماء دولة عادلة وكافرة خير من أختها مسلمة وظاملة.

ولذلك فالثورة التي نتحدث عنها هنا هي نهضة الأمة الجامعة لأن الأمة لا تجتمع على ضلال؛ ونهضتها هذه ليست ردة فعل، بل هي قيام عام ضد الظلم والفساد لأجل بناء واقع الحرية الحقيقي.

إن إنجاز الثورة بمعنى النهضة العامة والشاملة القاطعة مع كل أشكال الظلم والعنف لحظة تاريخية تحصل من خلال رفع مستوى الوعي بالذات ومصيرها إلى أن تصبح إرادة عامة لا تقهر، ومن ثم يجب التحذير دوما من الانزلاق في المعارك الهامشية والجزئية والفوقية ضد الظلم والفساد والاستبداد، إذ لا يمكن مواجهة نظام شمولي وكلي فاسد وظالم ومستبد إلا من خلال بناء قواعد حركة أمة كاملة وعامة، لأن هذه النهضة الشاملة هي الضمانة الكلية وليست المؤسسة كيت أو كيت مهما كان حجمها وموقعها ودورها.

فالموعد مع التاريخ يعني اتخاذ الموقع المناسب والصائب ضمن حركته والموقف المناسب والصائب خلال كل مراحله، وهو معنى الحكمة.

ومن هنا يبقى السؤال الكبير حول أهمية ودور الشباب في حصول هذا الموعد الذي إذا تم كما ينبغي لا تترتب عليه إلا المصالح العامة والخاصة. فأين شبابنا من كل هذا؟

2. الشباب وإنجاز الثورة: جندية وقيم سامية

يخطئ الكثير حينما يعتبر أن جوهر الثورات التي تعم العالم العربي مطالب اجتماعية فقط، بل إن التراكم الكبير لمآسي دوس كرامة الأمة على أيدي أعدائها في الخارج وحكامها المتسلطين عليها والمتعاونين عليها أدى بها إلى لحظة تاريخية يتحتم فيها الحسم مع كل مصادر هذه المآسي وصناعة واقع الحرية التي تكون فيها هي صاحبة السيادة.

وقد تميزت هذه اللحظة بثورة المعلوميات، فتحصلت لنا درجة من الوعي حادة ودقيقة أنتجت إرادة قوية لأجل القطع مع أنظمة سياسية طاغية ومحتكرة للسلطة والثروة وتتصرف في أمة من قبيل أمة الإسلام كأنها مزرعة خاصة.

إن هذه اللحظة التاريخية تتميز بالميزات التالية:

1- أنه مضى زمن الحاكم الوحيد الذي حدد القرآن ذروة طغيانه في ادعائه:

– أنا ربكم الأعلى.

– ما أريكم إلا ما أرى.

– ما أهديكم إلا سبيل الرشاد.

وكل هذه الدعوات تعني احتكار المعرفة والثروة والاستخفاف بقدرات الأمة، وهو ما يترتب عليه التهميش والإقصاء والتفقير وغير ذلك من المآسي الاجتماعية التي تعم بلواها حتى تضيع أدنى قيم الكرامة الإنسانية.

وما يعنيه هذا أن الثورات الكبرى والعظيمة لا تقف على مطلب اجتماعي صرف، ولذلك لا تثنيها بعض الترقيعات الاجتماعية مهما كانت جدواها وأثرها، بل تكون هذه الترقيعات دليلا على نفاق أنظمة تعطي بسخاء لما تكون تحت الضغط، وتقمع لما تشعر بشي من عدم الحرج السياسي.

إن العمل بناء على أنه يمكن التمويه والكذب والمراوغة على شباب اليوم الذي ظن الكثير أن دوره كاد ينتهي، وأنه لم يعد معنى لكلمة الجماهير والشعب كقوة استراتيجية ومصيرية، عمل فاشل ومضيعة للوقت، إذ الواجب دائما يقتضي أن العمل على بناء أسس نهضة شاملة وقومة عارمة هو المدخل الصحيح لبناء قوة القطع مع الاستبداد وضمان استمرار وحدة القوة وقوة الوحدة.

2-أن الصراع المجتمعي ليس موضوعه واقعا اجتماعيا قد تُرجح فيه موازين القوة إصلاحات اجتماعية وترقيعات سياسية أو مالية أو اقتصادية، بل صار هذا الحراك المجتمعي والسياسي يدور بين قيم التكريم الإنساني وقيم الإفساد والاستبداد الذي يشكل مصدر مصادر الفساد والظلم بكل أشكالها وألوانها.

3-توفر كل عوامل بناء القوة المجتمعية المتماسكة والواعية التي لطالما حال الاستبداد باللعب على محاور شتى دون حصولها. ولذلك فالرهان كل الرهان ابتداء على بناء عوامل هذه القوة المجتمعية لخوض معركة التحرير بكل أبعادها المعنوية والمادية والبشرية في الوقت المناسب. ومن هنا يكون دور الشباب حاسما في هذه اللحظة التاريخية، لأنه قاعدة الهرم ووعاء القيم والمعبر المتحرر عليها والمستعد للسهر على تحقيقها والحفاظ عليها.

وما الطريق إلى ذلك إلا بناء واقع الجندية العنيدة وروح القيم النبيلة والسامية التي تجمع بين لين القلب والعاطفة وصارمة العقل وحكمته وقوة الإرادة وتوثبها، ووضوح الأفق وعمقه.

إن ذروة الصراع والتدافع المجتمعي والسياسي تحصل بين قيم أنا ربكم الأعلى، وما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد، من جهة، وقيم الحرية والكرامة والعدل، من جهة ثانية، في عملية زحف ميداني شاملة، ولاشك أن ساعتها ستكون الغلبة للقيم الأخيرة مهما كانت مقاومة وعناد القيم الفرعونية.

في هذه اللحظة ينبغي أن يكون كل في موقعه المناسب ليؤدي دوره في الوقت المناسب حيث من المفترض أن يكون واعيا به كل الوعي لأن ساعتها تكون الحاجة ماسة لهذا الوعي الدقيق لتحديد الموقف المناسب في لحظات دقيقة من مسار الأمة عند إنجاز نهضتها الشاملة.

ومن هذا المنطلق والمبدأ تتبين أهمية الشباب في القيام بالدور المناسب في حركة الأمة عند قيامها ضد قيم الفساد والإفساد والاستبداد، لأنه معبر صادق وصريح وعالم دقيق بقيم النبل والصفاء والحرية والكرامة والعدل.

3. الشباب في المغرب والموعد مع التاريخ

أحاطت وتحيط بشبابنا في المغرب عوائق متعددة تحول دون تموقعه المناسب ضمن حركة الأمة الشاملة في أفق التغيير الجذري الشامل. وكل هذه العوائق ترجع إلى قبضة الاستبداد الشامل الذي لا يريد إلا أن يكون كل شيء على مقاسه وخريج مدرسته.

وقد تبين أن هذه العوائق في جوهرها أوهام كما أثبتت ثورة تونس ومصر وليبيا… وأن الاستبداد بدد أموالا طائلة في غير معنى، لأن الإنسان قد يتعرض إلى عملية المسخ كأفراد أو مجموعات صغيرة، لكن لا يمكنه أن يُمسخ كأمة مرة واحدة. وهو الأمر الذي لم يعه الاستعمار ولم ينتبه إليه الاستبداد فوجد الاثنان نفسهما يُركبان عروشهما على وهم وفراغ، ولذلك فعند حدوث اللحظة التاريخية الحاسمة، لحظة اكتمال الوعي بالذات الذي يصنع الإرادة فتُنجز الثورة، تتحرر الأرض من الاستعمار ويتحرر الإنسان من قبضة الاستبداد لما ينخرط الشباب بقوة في مشروع التحرير والتحرر.

وهكذا إذا فرض على المغاربة بعد الاستعمار نظام الاستبداد وقاوم مناضلون ومجاهدون وتحركت الأمة قاطبة في اتجاه القضية الفلسطينية، فإن شباب اليوم يتحملون مسؤولية جسيمة في الحفاظ على المكتسبات المعنوية والمادية والبشرية، والعمل على المساهمة الواعية في استكمال التحرير ليكون هؤلاء الشباب مع الموعد مع التاريخ.

ومن هنا أود القول الصريح والواضح الذي لا ينبني إلا على مصلحة الأمة والوطن:

1-إن لحظة التغيير الجذري قائمة، ولكل واحد الحق في تقدير طبيعتها وأفقها ومراحلها، لكن يجب أن يصحب كل المبادرات العملية نقاش فكري وسياسي واضح وناضج ومسئول يتجنب الترف الفكري ونقاش المواضيع التافهة ويركز على جمع وحدة الكلمة والموقف حتى نجنب الوطن المهالك والمزالق.

إن موضوع الحركة العام هو التغيير ولا شيء غير التغيير ولكل الحق في المساهمة بالطريقة التي يراها بالانضباط إلى الشرطين الأساسيين:

-الوضوح في الهدف والوسيلة وضوحا صارما يكون دليلا على الجدية والمصداقية.

-نبذ العنف والتخريب بكل أشكالهما وألوانهما ومحاصرة كل المروجين لذلك قولا وعملا بما لا يجر إلى عنف مضاد أو تحوير حركة التغيير وأفقها، لأن التغيير نبيل الغاية عظيم المقصد والهدف، ومن ثم فهو جميل الوسيلة بما هو رحمة شاملة ورفق عام، ومن ثمة قوة زاحفة لا تقهر. ومن اختار أن يكون خارج السياق أو ضد التيار فحركة التاريخ لا ترحم وموجة التغيير تكون عاتية عليه مهما كانت قوته ومهما كان حجمه لأن حركة التغيير السلمي القوي لا تترك له مكان التأثير وقدرة التحريف والتحوير.

ومن هنا يجب على الحركة الطلابية أن تقوم بواجبها التاريخي لا باعتبارها صانعة الثورة، فتكل قضية الأمة، لكن باعتبارها قاعدتها حينما تلتحم تصوريا وميدانيا مع التلاميذ والحركة النقابية نحو أفق تغييري واضح.