عندما كانت المسيرات تخرج في بلادنا تضامنا مع فلسطين الجريحة كان يتبادر إلى ذهني سؤال مفاده: لم لا تخرج هذه المسيرات لتغيير الأوضاع ببلادها؟ لم لا تخرج مطالبة بالإصلاح والتغيير؟ أو لم يدرك هؤلاء المتضامنون مع فلسطين أن أصل بلاء فلسطين هي هذه الأنظمة المتواطئة مع الصهاينة أو الصامتة في أحسن الأحوال عليهم؟ وطبعا كانت تتبادر غلى ذهني أجوبة تبريرية لهذا الواقع وآمال بان اليقظة آتية لا ريب فيها، لكني لم أكن أتوقع أن يكون هذا اليوم قريبا، ولم أكن لأتوقع بأن تنطلق الانتفاضة بهذا العنفوان والشموخ والاتساع فتكون محطمة للحدود الوهمية كما تفعل مع فلسطين فيخرج الناس في كل قطر مطالبين بإسقاط النظام والإصلاح، لم أكن لأتوقع بأن تنتقل عدوى الاحتجاج كما كانت تنتقل عدوى التضامن، فما الذي يجمع فلسطين مع الاستبداد؟ وما هي الرسالة التي ترسلها الشعوب بخروجها موحدة تضامنا مع فلسطين وموحدة مطالبة بالتغيير ببلادها؟ ثم ما علاقة التضامن مع بالاحتجاج وما السر الكامن خلف هذا التعالق؟

كانت فلسطين على الدوام عنوان تخاذل الأنظمة العربية ولذلك كانت الساحة التي يجري عليها الصراع بين الشعوب والأنظمة، فبقدر الغضب والألم على الجرح النازف بفلسطين كان الغضب على الأنظمة، ولهذا فقد كانت الرسائل واضحة ومفهومة للجميع، كانت الرسائل واضحة لكن مكتومة في الصدور. فالمتظاهرون وهم يرددون شعارات التنديد بالمجازر الصهيونية كانوا مدركين أن شيئا داخليا يمنع أصواتهم من الوصول، يكتم على أنفاسهم فيما يشبه زائر الليل الذي يمنعك الصراخ وأنت لا تستطيع لذلك سبيلا، كانت تلك الجموع في جميع بلاد العرب أو أغلبها تعيش نفس الشعور والإحساس والواقع، واليوم ها هي ذي تستفيق صارخة بأعلى صوتها وبأقوى الشعارات في وجه الظلم والاستبداد، إن الجموع المحتجة اليوم تردد جميعها الشعب يريد إسقاط النظام، واللافت أن الشعار نفسه يتردد في بلاد العرب كلها وفي ذلك إشارة واضحة إلى أن الهدف واحد والإرادة واحدة والفاعل واحد.

لقد حركت فلسطين مشاعر الأخوة والتضامن، وهاهو الاستبداد يحرك الغضب والاحتجاج وأيضا مشاعر التضامن، ففي كل بلد خرج الآلف كما خرجوا لفلسطين موحدين تحت شعار واحد، خرجوا ليؤكدوا لمن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد على الوحدة الشعورية والمصيرية لهذه الأمة، فإذا كان العدو الخارجي واحدا تمثله الصهيونية والاستكبار العالمي، فالخصم الداخلي واحد تختصره كلمة الاستبداد الدالة البليغة، ولهذا فبينما ينتفض شعب هنا يهب شقيقه هناك لمؤازرته والتضامن معه. ففي تونس ومصر وليبيا كان المشهد: صدور عارية بمواجهة الموت، وبالموازاة كان المشهد في البلاد الأخرى: ساحات وشوارع ترتج على وقع الصرخات المتضامنة المحتجة.

إن الانتفاضة على الاستبداد وسرعة انتشارها دليل قاطع على أن زيت الظلم والبغي غطى البلاد والعباد، وهذا ما يثبت وحدة الواقع الذي تعيشه تلك الشعوب ويبطل مزاعم الاستثناء، أكثر من ذلك فخروج الشرفاء للتضامن والمؤازرة دليل على إدراك عميق لوحدة المصير.

نعم كان التونسيون مدركين أن العواقب وخيمة على البلاد الشقيقة في حال فشل هبتهم لذلك اندفعوا بجسارة وفداء القائد عند اللحظات الحاسمة، وكذلك كانت جميع الشعوب مدركة أن نجاح المصريين في إسقاط الاستبداد أمر له انعكاس مباشر على بلادهم كلها، فقد مثلت مصر حائط برلين الاستبداد في بلادنا وسقوط هذا الحائط كان يعني سقوط الجزء الأكبر من حائط الاستبداد، ولهذا وضعت الشعوب يدها على قلبها ورفعت أكفها للسماء وخرجت للشوارع وأرسلت رسائل التضامن لرجال التحرير في ميدان التحرير.

إن الشعوب في بلادنا تعيش أزهى أيامها وتسطر تاريخا مجيدا بدمائها وترسل أبلغ رسائلها وأوضحها، توحد تلك الرسائل كلمتان ثقيلتان في ميزان تاريخ ومستقبل الشعوب: الحرية والوحدة.

يمتزج الاحتجاج الداخلي بالتضامن مع الشقيق في نفس اللحظة ولغاية وقضية واحدة فينتج عن ذلك تطلع قوي نحو الحرية والوحدة.

وعندما تكون الرسالة: الحرية والوحدة، فلا مكان للحركات الانفصالية التي تريد استغلال الأحداث الجارية في بعض البلاد لتحقيق أغراضها الانفصالية اللاشعبية، لا مكان للانتهازية والركوب على الأحدث للانقلاب عليها والانقلاب على رسالة الشعب وقضيته.

عندما تكون الرسالة الوحدة فلا مكان للإقصاء والاستفراد وادعاء حق التمثيل للشعوب المنتفضة فالشعب يمثله الجميع وعلى الجميع أن يتجاوب مع حركته وينصت إليها.

عندما يكون المقصد الحرية فلا خيار دون خيار إسقاط الاستبداد ومن ثم فلا مجال للمناورة والمداورة، لا مجال للإصلاحات الهامشية الجزئية لأن مصيرها سيكون مصير غيرها من المناورات التي رمى بها الشعب مع أصحابها لمزبلة التاريخ.

عندما يكون المقصد الحرية فلا مكان للمطالب الفئوية الضيقة التي تريد ركوب الأحداث لتحسين وضعيتها، لا مجال لسرقة المقصد وبيعه بدراهم أو دنانير أو جنيهات معدودة ونكون فيه من الزاهدين.

وعندما تكون الوحدة بين الشعب فسيسقط الاستبداد، وعندما تكون الوحدة بين الشعوب سيسقط الاستبداد والاستكبار معا وعندها سننعم بالحرية.

لقد كان سقف المطالب الشعبية مرتفعا منذ البداية فشاهدنا الأحزاب تجري وراءها منهكة غير مصدقة ما يجري حولها وهي التي لطالما ادعت تمثيليتها والحديث باسمها، فهل ستدرك اليوم عمق المطالب وجوهرها فتتخلى عن أنانيتها وتتجاوب وتتوحد لتحقيق الآمال عوض المتاجرة بالآلام، بل وتذهب أكثر من ذلك نحو قيادة الشعوب ملتزمة بجدول الأعمال الذي وضعته لنضالها؟

هل ستتجاوب التنظيمات والأحزاب والفعاليات مع روح الانتفاضة الشعبية؟ وهل ستتجاوز المؤتمرات الثلاث، مؤتمر الأحزاب العربية والمؤتمر القومي الإسلامي والمؤتمر القومي العربي خطاب التضامن إلى فكر الحرية ومشروع الوحدة؟ أم أن مصير أحلام الانتفاضة سيكون مصير أحلام حركات الاستقلال عند إسقاط الاستعمار؟

نرجو أن يكون الجميع في مستوى هذه اللحظة التاريخية وفي مستوى هذه الهبة المباركة والتضحيات المقدمة.