لطالما تابع الشارع العربي مسلسل التفويت الذي طال كل المرافق الحيوية العمومية إلى الشركات الأجنبية العملاقة والعابرة للقارات تحت عنوان “الخصخصة أو الخوصصة”، وأيا يكون المسمى، فإن النتيجة واحدة: تجريد الشعوب من حقها في تملك أوطانها. ولعلها الممارسة نفسها التي قام بها المستخرب (المستعمر) من خلال المقيم العام والعساكر والتقتيل والتعذيب والاعتقال في كثير من الأحيان، وشراء الذمم أحيانا أخرى. ثم استتر هؤلاء المستخربون وحل محلهم الحاكم العربي وجنوده وحزبه العظيم وأزلامه من الانتهازيين. فبعد أن تصدى الشرفاء من المناضلين والمجاهدين للاستخراب (الاستعمار) وقدموا موكبا من الشهداء، يعود الاستخراب من النافدة بعد أن خرج من الباب. فهاهم الحكام العرب لم يترددوا في بيع البلاد بالجملة برَها وبحرها وجوَها، باعوا الماء والهواء وما فوق الأرض وما تحتها، والأعظم من كل هذا، باعوا بالوصاية ذمم المواطنين (الرعايا)، بل لقد بذل الحكام العرب كل ما أوتوا من عنف ودهاء لتركيع الشعوب وإخضاعها لخدمة مصالح السيد الحاكم الغربي. ولم يقف ولاء هؤلاء الحكام عند هذا الحد، بل تعداه بتحويل قبلة المواطنين اتجاه البيت الأبيض وحمل الشعوب العربية على أن تسبح بحمد الغرب وتقدس له، وأن كل من يكفر بهده العقيدة فهو إرهابي يجب تأبيده في السجن، أو عدو للديمقراطية يجب تهميشه وحرمانه من الحرية. إن الحكام الذين شرَعوا أبواب البلاد للمستخربين (المستعمرين) خطبوا طيلة عقود حكمهم في شعوبهم أن معاداة حكام الغرب فيه زوال للنعمة لأن “رب” البيت الأبيض يقرن العطاء بالولاء. والسؤال الوجيه: فتح البلاد واستعباد العباد مقابل ماذا؟ الجواب لا يحتاج لتفكير عميق، لأن الجواب هو: فتح البلاد خدمة لمصالح الغرب مقابل فتح البنوك أمام الأموال المهربة ثم الصمت على “المسالخ” المرتكبة في حق الشعوب.

لكن أليس من الظلم نعت الحكام بكل هذه النقائص، وقذفهم بكل هذه الشتائم، وهم “الأبرياء المخلصون” الذين كرسوا كل حياتهم لخدمة الوطن؟ فهم إنما باعوا البلاد والعباد خدمة للشعب وتنمية للبلد وتحقيقا للتقدم.

عزيزي القارئ، دعنا نسلم بهذا الزعم، ونحسن الظن بألطف خلق الله وأنقاهم سريرة على وجه الأرض (الحكام)، بأنهم إنما باعوا الأوطان بالجملة ضمانا لمصلحة الوطن تحقيقا لكرامة المواطن. فجزاكم الله على قدر نياتكم واعلموا أن الشعوب التي لم تبخلوا على خدمتها، ترد لكم الجميل على قدر نياتكم وتدعوكم إلى الرحيل الدقيقة قبل الساعة. فهل سيكون تنازلكم على السلطة بالجملة للشعب كما كان بيعكم للبلاد والعباد بالجملة؟ أم يا ترى أن نظرية اقتصاد السوق السياسي تقتضي بيع البلاد بالجملة للأجنبي، وتستوجب تقسيط السلطة للشعب.

فيا سادة، لا تظلموا خدام الشعوب “الحكام”، لأنهم وبكل بساطة يخشون على شعوبهم أن تصاب بالعمى جراء بريق الحرية بعد كل سنوات ظلام القمع والاستبداد. إن حكام الخزي والعار يحاولون بكل ما أوتوا من بلادة أن يوهموا القائمين والثائرين عليهم أن عدم تنازلهم عن السلطة جملة ليس حبا في السلطة، وإنما رغبة منهم أن يتوغلوا بشعوبهم برفق في نهار الحرية البازغ حتما، حتى لا يمس الشعب العزيز أدى. إن المغضوب عليهم من الحكام لم يستلهموا هذه الحكمة من بنات أفكارهم، بل تلقوا هذه النصيحة من أطباء السياسة الغربيين الذين ابتدعوا حكمة غريبة عن واقعهم مرفوضة لدى شعوبهم، مفادها: “خذوا بيع البلاد والعباد بقوة، وتوغلوا في الديمقراطية برفق”. وهذا ما جعل الفقهاء من الحكام يستنبطون القاعدة العامة: “بعْ بلد الشعب بالجملة وتنازل له على السلطة بالتقسيط”.