لم يتأخر المغاربة في التفاعل مع زلزالَيْ تونس ومصر، فكانت هبة العشرين من فبراير أول إشارة من إشارات الرغبة في كسر حاجز الخوف والدخول على خط التغيير والقيام في وجه الاستبداد.

كانت الرباط والبيضاء ومعهما أكثر من خمسين مدينة مغربية على موعد يوم 20 فبراير مع تحركات شعبية سلمية طالبت بالتغيير وبإسقاط الاستبداد الذي لا يختلف في جوهره مع ما يسود من المحيط إلى الخليج مما تتداعى أركانه النَّخِرَة هذه الأيام. استبداد يكمم الأفواه، ويخنق الأصوات في الأجواف، ويشل أي حركة من أجل التغيير، ويسعى في تشويهها والتشويش عليها، ويحتكر السلطة والنفوذ والمال، ويحرص على المحافظة على المسافة المتباعدة بين المترفين والكادحين.

سارت احتجاجات العشرين من فبراير سلمية من أول يوم، وبدا في الظاهر أن السلطة تحرص على هذه السلمية بعدم تدخلها أو تحرشها بالمتظاهرين في البيضاء والرباط اللتين عرفتا مواكبة إعلامية وطنية ودولية، ولم يُفهم “حرص” هذه السلطة على “سلمية الاحتجاجات” في المدينتين إلا بما رَشَحَ من أحداث عنف وتخريب للممتلكات العامة والخاصة في المدن الأخرى كمراكش وطنجة وتطوان والحسيمة والعراش وفاس… حيث غابت أجهزة الأمن غيابا مذهلاً، ولم تستجب لنداءات الاستغاثة التي أطلقها المواطنون، بل بلغ الأمر حدَّ مرور دوريات أمنية على بعض أحداث التخريب في بعض الأحياء “مرور الكرام” ودون أن تكلف نفسها عناء القيام بوظيفتها في حفظ الأمن، وطرحت علامات استفهام كثيرة حول هذه الأحداث وسيناريوهاتها وضحاياها وخلفياتها وبعض تفصيلاتها.

كانت رسالة النظام من وراء سيناريوهات الأحداث واضحة: لقد فسحت لكم المجال والحرية للتعبير عن آرائكم وطموحاتكم، ولكنكم لا تستحقون هذه الحرية لأنكم توظفونها للتخريب والسلب والنهب، وليس لكم من مشروع إلا تدمير الإصلاحات التي أسير بها في الاتجاه الذي يريده الشعب!

رسالة لم يكن صعبا على أبسط متابع فهمها، لأن السيناريو الذي سارت عليه أحداث التخريب بتفصيلاته لم يكن له من تفسير سوى أن السلطة تسعى لتشويه الاحتجاجات السلمية وانتزاع المبررات لقمعها والقضاء عليها، وهي عادة سيئة من عادات أنظمتنا العربية العتيدة.

وتأكد هذا الاتجاه في الأيام الموالية لاحتجاجات 20 فبراير حيث بطشت السلطة بالمحتجين المسالمين في ساحة باب الأحد بالرباط مساء الاثنين 21 فبراير 2011، ونالت رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وأعضاء آخرون بالجمعية من هراوات المخزن ما أفضى إلى إصابات بليغة استدعت نقل المصابين إلى مستعجلات مستشفى ابن سينا بالرباط رفقة جرحى آخرين من شباب حركة 20 فبراير وبعض المواطنين. ووجدت الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة التابعة لجماعة العدل والإحسان، ومجموعة من الهيئات الوطنية نفس البطش من طرف الأجهزة الأمنية مساء الثلاثاء 22 فبراير 2011 حين احتشدت للتضامن مع الشعب الليبي أمام القنصلية الليبية بالعاصمة.

وتأكد تصميم النظام على خطته في البطش بالمواطنين المسالمين نهاية الأسبوع المنقضي (26/27 فبراير) فمنع وقفة طنجة وتاوريرت كتابيا، وضرب بعنف المواطنين المسالمين المحتجين في أكادير والقنيطرة وغيرهما.

ولاستكمال الطبخة المخزنية أضاف القائمون على رأس النظام إلى تحركهم الأمني القمعي مناورات اجتماعية وسياسية مكشوفة، فبدأ الحديث عن إصلاحات مرتقبة وتعديلات محتملة ومجالس مفعّلة، ومعها إشاعات هنا وهناك عن التوظيف وتخفيض الأسعار وحل مشاكل هذه الفئة أو تلك.

إن السقف العالي للمطالب التي رفعها المواطنون لم يُرْضِ النظام الذي كان يريدها أن تنْصَبَّ على بعض الجزئيات التي لا تنفذ إلى جوهر الأمر. وجوهر الأمر هو هذا الاستبداد الجاثم على صدر الشعب. كما أن حدود ما سعى ويسعى إليه النظام من احتجاجات الشعب أن تكون متنفسا يخفف من ضغط الشعب على حاكميه، وواجهة شكلية للاستهلاك الإعلامي داخليا وخارجيا، دون أن يكون لها الأثر في تغيير ما بالشعب من قمع وظلم واستبداد.

وكيفما كانت وسائل النظام في قمع هَبَّةِ هذا الشعب المستضعف، وكيفما كانت أهداف النظام من أسلوبه في التعاطي معه، وبغض النظر عن طبيعة الطريق التي سينهجها الشعب في المطالبة بحقه في العدل والكرامة والحرية، فإن أفق حركة الشعب والغاية التي يتطلع إليها واضحة جلية: إسقاط الاستبداد.