تتناقل وكالاتُ الأنباء والفضائياتُ وشبكةُ الأنترنت أنباءَ فظائعَ يَشيب لها الولدان، يرتكبها العقيد المجنون في حق شعبه.

فظائعُ يَشْهَدُها الجميع بالصوت وبالصورة، ولم يكن يخطر بالبال حدوثُها حتى على أيدي العدو الصهيوني الغاشم، على حد قول أحد أقارب بعض الضحايا الشهداء.

وقد بلغ عدد الشهداء، في بضعة أيام وإلى حدود كتابة هذه السطور، أكثرَ من ألفين، والعدد في ازدياد، ناهيك عن آلاف الجرحى والمفقودين والمكلومين في ذاتِ أنفسِهم وأهلهِم وإخوانِهم وفلذاتِ أكبادِهم.

كيف يَسْتَحِلُّ النظام الليبي دماءَ شعبه، مستعينا بمرتزقة مُسْتَقْدَمِين من أدغال إفريقيا وصحاريها ومن جوعها وفاقتها وجهلها، بعد أن عصى أكثرُ أبناءِ البلد أوامرَ نَيْرُونِ العصر بنحر إخوانهم؟

ما أصعب الفطام!

ما أصعب الفطام على من استحلى نداوةَ السلطة، وتَفَيَّأَ ظلالَهَا، وَطَعِمَ مغانِمَها، وَنَفَحَهُ بَخُورُهَا، وأَلِفَها وذاب فيها حتى أضحى الظلم والاستبدادُ ومشتقاتُهما جزءًا من ماهيته، وكاد ينسى أنه بَشَرٌ مخلوق من ماء وطين. وما أصعب الفطام على من حسب الشعبَ قطيعا تسوقه غريزة الطاعة العمياء كما تسوق البهائمَ الذَّلُول، وظنَّ أن صبرَ الشعبِ وطولَ نفَسِه وإمهالَه إيَّاه موتًا لجذور الإرادة فيه، وانقطاعًا لِنَفَسِه عن مَعين الحياة، وذهابًا لِخُلُقِ الغضب ممن لا تُؤْمَنُ غَضْبَتُُه ولو بعد حين.

يقول الإمام البوصيري رحمه الله:والنفس كالطفل إن تُهْمِلْهُ شَبَّ على *** حبِّ الرضاع وإن تفطمـه يَنْفَـطِمِفكيف إذا كان حكامنا الأفذاذ قد شَبُّوا على الظلم وشَابُوا على الاستبداد وَهَرِمُوا عليهما وبلغوا منهما أرذل العمر فلاتَ حينَ فطام؟!

نِتاج الاستبداد

هذه هي بضاعة الاستبداد نراها اليوم رأي العين، وهذا هو نِتَاجُ الحكم العاضِّ الْجَبْرِيِّ الذي بُلِيَتْ به الأمة: طواغيتُ على استعدادٍ، ليس لإبادة ثُلُثِهَا أو ثُلُثَيْهَا، بل لإبادتِها كلِّها دفعًا للفطام الْمُرِّ بكل ما أُوتِيَتْ من قوة وما كدسته من عسكر ومرتزقة وسلاح ومكر وحيلة.

طالع أيضا  أوراق على أبواب الثورة

يدفع هؤلاء الحكام، الهاربون من قدر إلَهِيٍّ حتمي، الفطامَ عن أنفسهم وعن ذرياتهم من بعدهم، ولا يهمهم أن يكون من ذرياتهم هذه مجنونٌ مخبول أو سفاح مجرم أو سفيهٌ غُفْلٌ، يُنَصِّبُونَه وصيا على العشرات والمئات من الملايين من الناس من بعدهم، ويورثونه رقابَهم الْمُطْرِقَةَ غلبةً وقهرًا.

مِمَّ خُلِقَ هؤلاء الحكام حتى لا يشاركهم في الْمَزْعُومِ مِنْ جينات العبقريةِ وحسنِ التدبيرِ ورجاحةِ العقلِ ونفاذِ البصيرة وبُعدِ النظرِ وقوةِ القيادةِ وشدةِ الشكيمةِ ووُفورِ الحكمةِ وصِدْقِ الإلهامِ غَيْرُهُمْ؟!

أَلَمْ يُخْلَقُوا مِمَّا منه خُلِقَت شعوبُهم؟

كيف يحتكرون هذه الجينات النادرة دون غيرهم حتى لا تستحق هذه الملايين أن يجود عليهم القدر بما يجود به على أولئك؟

فمنهم الْمُلْهَمُ الذي أُوتِيَ كتابا أخضر تبشر “آياته الْمُحْكَمَةُ” بجنةِ حكمِ الشعب لنفسه، وهو الذي لم ير من قائده “ذي الْمَجْدِ” غيرَ تنكيله الهمجي به على مدى أكثر من أربعين عاما.

ومنهم الأب “المبارَك” الحاني على شعبه، الذي أَمَدَّ العدوَّ الصهيونِيَّ بالغاز بأبخس ثمن لتدفئة أطراف الاِحتلال، وزوده بالإسمنت لحصر الفلسطينيين في سجن الضفة، وآمَنَ خوفَه بِصُورٍ حديدي على طول حدوده مع قطاع غزة لخنق المقاومة وشعبها وقطع الغذاء والدواء عنه، وكدس الملايير في بنوك الغرب وأسكَنَ شعبَه المقابر وأطعمه “الْعِيشَ” ذُلاًّ في طابور الجمعيات.

ومنهم ذاك الذي يُيَسِّرُ للأمريكيين قصفَ الشعب اليمني وتقتيلَه، وينوب عنهم في تفقيره وتدميره وإشعال فتيل الفتنية بين أهله، وتوشك الشُّقة بين شمال البلاد وجنوبها أن تَبْعُدَ إلى حد الانقسام والانفصال، ويدعي أن الْحُكْمَ مغارمُ لا مغانم، بدليل عَضِّهِ عليه بأقصى قوة وسعيِه في تذليل صِعابه لولده وارثِه من بعده!

ومنهم ومنهم ومنهم…

دواء الاِستبداد

هذه هي حقيقة حكامنا: ظلم واستبداد واستفراد وإجرام، وأقنعةٌ تَتسَاقَطُ واحدا بعد الآخر لنكتشف مدى بشاعةِ هؤلاء الذين انتظرنا وعودَهم عشرات السنين فلم نَجْنِ منهم غير وعيدٍ أنفذوه مضاعفا على الْعُزْلِ المستضعفين في أول امتحان. وهؤلاء هم الدجالون الذين غَشَّوْا على بصائرنا زمانا فاعتقدوا من طول ما انحنت لهم الظهورُ أنه لا ظهورَ لشعب مستكين سامع مطيع على حاكمه القوي المستبد… أبدَ الآبدين.

طالع أيضا  أوراق على أبواب الثورة

إن كان هذا هو داءَ أنظمتنا، فكيف علاجها؟

إن الحاكم إذا عرف أن حكمه محدود في الزمان، مُقَيَّدٌ مشروط ببنود عَقد صحيح، لكلٍّ من طرفيه (الشعب والحاكم) حقوقٌ وعلى كُلٍّ واجبات، وأن عيون هذا الشعب تتابع حاكمها أوَّلاً بأول، وتستطيع خلعه ونزع ما في يديه من سلطة في أي لحظة إن أَخَلَّ بروح العقد… إن عرف الحاكم هذا كلَّه، فإن الشعب يكون كمن حقن ذاته باللقاحات الواقية من داءِ الاستبدادِ ووباءِ الظلم وطاعونِ الدكتاتورية.

إنه ينبغي على شعوبنا أن تعي الدروس القاسية المريرة التي نُلَقَّاهَا هذه الأيام حتى لا نُلْدَغَ من جُحْر الأنظمة أكثر مما لُدِغْنَا.

وإنه ينبغي أن تُبْنَى أنظمتُنا على أسس قوية متينة، أَهَمُّها ألاَّ تُهمل هذه الشعوبُ أَوَانَ فِطَامِ حكامِها، حتى لا يَسْتَحْلُوا مغانِمَ الحكم، أو تَأْلَفَ أَعْجَازُهُمُ الشَّحِمَةُ اللَّحِمَةُ دِفْءَ الكراسي فَيَعِزَّ عليهم الفراقُ فيستحيلَ الرحيلُ إلا بعد هذا الفطام الدامي.