ميلاد جديد

يبدو أن الشعوب العربية قد أخذت على عاتقها، إعادة كتابة التاريخ من جديد بما يحقق هويتها وينتصر لقيم المواطنة الحقة، وتطوي حقبة من تاريخها مع حكام أذاقوها الخزي والعار وساموها سوء العذاب. باعوا الدين والعرض والوطن، وجعلوا من فترات تسلطهم حقبة جرداء عجفاء، فقاموا عليهم وقاموا يدشنون ميلاد الأمة من جديد وميلاد تاريخ جديد، وهكذا صار المواطن العربي لا يطرب إلا لـ14 يناير تونس، و25 يناير مصر، و11 فبراير مصر، و17 فبراير ليبيا، و20 فبراير المغرب. صفحات هي من ربيع الشعوب العربية، بعدما جففت الأنظمة الفاسدة منابع الحياة الكريمة عنها، وداست كل القيم، وهي لم تتردد في قصف الشعوب بالطائرات والدبابات، وارتكاب المجازر بحقها، ونعتها بأقبح النعوت، وإذلالها حتى النخاع.

تواريخ وشمت في كيان المواطن العربي لما جملته من معاني العزة والكرامة، والانتصار للحرية والعدالة، والضرب على أيدي المفسدين والمستكبرين الذين أذاقوا العباد صنوف الخزي والعار، وساموهم سوء العذاب، ليفتحوا صفحات جديدة معطرة بياسمين تونس وفل مصر تبين عن سلوك حضاري رفيع من المواطن والعربي كادت قبضة المستكبرين والمتسلطين عليه أن تمحوه من معجم لغتهم وحضارتهم ووعيهم، ولا غرابة أن يختار منظمو احتجاج الدر البيضاء ساحة “الحمام”، الذي بدوره رقص فوق المتظاهرين وطرب لمطالبهم وشعاراتهم والتي عرف بفطرته أنها على نفس أنغام الحرية التي ملأ منها صدره في أعالي الأجواء، كيف لا يكون ذلك وأجداد المغاربة يعرفهم هذا الحمام ويعرف منهم العزة والإباء الذي ظل قرونا يرعب أعتا الجيوش والإمبراطوريات.

ساحة الحمام، رمز للسلام كذا كانت الاحتجاجات، وفي نفس الاتجاهات كانت المطالب والشعارات، سلوك حضاري ينم عن نضج التنظيم والأسلوب كما نضج المطالب لحماية البلاد مما هو آت يتهدد الأخضر واليابس إن استمر الاستبداد بالسلطة والثروة والقرار.

نضج المطالب

ما عادت تجدي نفعا مساحيق التجميل، لأن العجوز الشمطاء قد بلغت من الكبر عتيا، بل إن ذلك لن يزيدها إلا قبحا، إذ كيف يجمل بهذه التي انحنى ظهرها وغارت عيناها، وانكمشت قسمات وجهها أن تتزين لشباب في ريعان العمر وفي ربيع العمر، كيف تطلب ودهم وهم ينكرون عليها تعميرها حتى سن متأخرة أفسدت عليهم أمال الشباب، وحيويته وانطلاقته وتعطشه للحياة. عرسان يتطلعون إلى ما خلفها وتتطاول الأعناق لناهد وصبايا، وهي تحاول جاهدة أن تحجب شموسا خلفها وضاءة بخربالها العتيق، هم يطوقون إلى عروس حمامة تجري وتعيش خارج الأسوار أو في سجون صغيرة أو كبيرة.

اجتمع جمع من المغاربة في ساحة الحمام، من كل الألوان والمشارب، وكتبوا وهتفوا بعربية فصحى، وبالأمازيغية والعامية وبلغات العجم، على رسالة ما تصل إلى آذان من أرسلوا إليه برسائلهم، وهم لا يعرفون أي لغة يفهمها ففضلوا الكتابة بكل اللغات. وحضرت معهم قضايا التعليم والصحة والشغل والسكن و…

لكن اللافت هذه المرة هو نضج المطالب إلى حد كبير، أو لنقل إنه إدراك لعمق الأزمات التي يتردى فيها الوطن، فما هو قائم ليس إلا نتيجة لداء عضال مس الرأس من جسد الأمة، وما نلاحظه ليس إلا أعراضا للداء. وفي نعيه هتف الجميع: “الشعب يريد إسقاط الفساد”، ” الشعب يريد دستورا جديدا”، “الشعب يريد التغيير”، “لا للجمع بين السلطة والثروة”، “الشعب يريد جمعية تأسيسية لدستور جديد”…

هذا غيض من فيض مما صدحت به إرادة الشعوب، وإرادة الشعوب تلتقي مع تدبير الكون لتكون الحياة، ويستجيب القدر وينكسر الحديد وينجلي الليل البهيم، بهذا كان المحتجون في 20 فبراير المغرب يزينون تجمعاتهم:إذا الشعب يوما أراد الحياة *** فلابد أن يستجيب القدر
ولابد لليل أن ينجلي *** ولابد للقيد أن ينكسر
والحياة ليست خبزا ورغيفا كما يصورها المستبدون في وطننا العربي العاضون على العروش، القاهرون للعباد، المستحوذون على خيرات البلاد، فهم، وفي ما هو أشبه بالازدراء والاستهزاء بالمواطن، يطلعون على شعوبهم في أوقات وأمكنة عديدة يدشنون مشاريع للخبز والرفع من مستوى العيش والدقيق، وكأن الخبز يعوض الحرية. ويعدوننا من فصيلة “العلفيات” نُسمَّن حسب الطلب ونُجوع حسب الطلب. إرادة الشعوب قالت بملء الفم، وأعلنت في كل ناد، وصخت في آذان “أولياء الأمور” أن الحرية لن تكون يوما خبزا، ولن تكون مقايضة الحرية والكرامة والعزة برغيف خبز أو علبة سكر أو قارورة زيت، وأن اللذين يمنون عليهم الحق في الحياة وإن سلموا لعقود، ففي الأعماق يترصدون مصيركم المحتوم.

الشعب في 20 فبراير، أكد أن مسلسل التدجين والتمويه والتمييع والتكميم والتعتيم قد وصل حلقة النهاية، ولم يعد من مناص للتغير الجذري الشامل “اليوم قبل غدا التغيير ولا بد”، “لا وزراء لا نواب، جا وقت الحساب” بهذا هتف المغاربة وحملوا شعار “جميعا من أجل حاكم يختاره الشعب ويحاسبه”.

إذن، المغاربة نضجت مطالبهم ليعلنوا أن النظام بما هو نسق متداخل أصبح عبئا، لا حركة ولا حياة حرة كريمة ما لم يتم إعادة النظر في النسق ككل مجموع “لا لنظام فاسد، نعم لنظام ديمقراطي”.

رسائل كثيرة حفل بها يوم 20 فبراير المغرب، تحدث المغاربة بكل جرأة عن نهاية مسرحيات الأنظمة الفاسدة بديمقراطيات على مقاسها، بدساتير ممنوحة ومجالس مشلولة، وبأحزاب ورقية، ونقابات وهيئات وإعلام لا علاقة لها لا بالمواطن ولا بمصلحة البلاد ولا الأمة ولا هموم المواطن اليومية ولا تطلعاته ولا اختياراته الحقيقية. فقد شاهدنا وسمعنا كيف أن هذه التجمعات الانتهازية تجري وتهرول خلف الشعب والجماهير ليصبح هو القائد لها والمفترض فيه أن يكون هو المقود. لكن ولما تعذر ذلك وخنعت هذه الهيئات تحركت الشعوب لتبر عن نفسها بنفسها، ولتكون بنفسها لا بغيرها.

ما أحوج البلاد لأن يسمع من وجهت لهم الرسائل مطالب الشعب الحقيقية بعيدا عن سياسات الترقيع، لتجنيب البلاد ما قد لا تحمد عواقبه، ولرفع الضغوط عن الشباب لأن الضغط كلما زاد كانت شدة الانفجارات أكبر. فهلا لغة الحوار والإشراك؟. تلك رسائل 20 فبراير فما أجوبة تلكم الرسائل؟ وهل تنضج السلطة كما نضج الشعب، أم إن المخزن تابت لا يتحول؟ ترى أستوعب المخزن التحولات العميقة في حركة الشعب ومطالبه، أم يجمد على خطابات وسياسات صارت من التاريخ؟ ولم يعد يطرب لها إلا قلة القلة المنتفعين، الذين قال لهم شباب 20 فبراير: “لا لنهب ثروات البلاد”، “الرحيل الرحيل، يا مخزن عندنا البديل”.