وأخيرا أعطيت الانطلاقة لمسلسل المطالبة بالحق في تغيير البؤس والفساد والاستبداد الذي يتشح به وجه المغرب المقهور بنظام الجبر والمخزن. لقد كانت رسائل 20 فبراير أكثر من واضحة وبعثت إلى أكثر من عنوان، وأخبرت النظام المخزني أن أوهامه لن تحول دون حدوث التغيير الجذري والحقيقي الذي يتوق إليه المغاربة بمختلف أعمارهم وأفكارهم ومشاربهم. فلا الدعاية ولا القمع ولا كل الوسائل الصبيانية التي يتمترس خلفها قادرة على منع القدر المحتوم. فالمخزن يلعب في الثواني الأخيرة من الشوط الإضافي الثاني. كما أعلنت رسائل 20 فبراير للدول الغربية أنه ليس هناك استثناء مغربيا وأن الموجة العارمة تشكلت وأنها على مرمى حجر من النظام المخزني المستبد، فالساسة الغربيون مجبرون على استخلاص العبر مما حدث في تونس ومصر ويحدث الآن في دول عربية أخرى. فهذا زمن الاصطفاف مع مطالب الشعوب وليس زمن التعويل على أنظمة مهترئة وبالية وساقطة. كما توجهت هبة 20 فبراير بخطاب إلى الشعب المغربي الأبي لتشكره على نفرته وتطالبه بالإصرار على استرجاع عزته وكرامته. ثم أعلنت للكل أن المغاربة شعب متحضر وواع وقادر على ضرب المثل في ذلك. فقد مرت العشرات من المسيرات التي حج إليها الألوف من الشباب في جو من الوحدة والانضباط ولا يمكن تفسير الانزلاقات المحدودة التي حصلت إلا بكونها محاولات يائسة لأذناب المخزن للتشويش على انتفاضة المغاربة السلمية، فهؤلاء البؤساء يريدون تسويق فكرة شيطانية مفادها أن الاحتجاج ضد الظلم ونبذ الفساد قرين الفوضى والتخريب، وهي فكرة مهترئة لم تنفع بنعلي ولامبارك ولن تنفع غيره من أزلام الجبر.

وإذا كان في حكم المؤكد أن الرسائل قد وصلت إلى وجهتها، فالأهم هو رصد مدى استيعاب من توجهت إليهم لمضامينها. والطرف المعني أكثر بإبراز موقفه الآن بالنسبة للمغاربة هو المخزن. فهل استوعب الخطاب وكيف كان رده عليه؟

من خلال ردود الفعل الأولى التي بادر بها المخزن يتضح أن الغباء صفة لازمة له، فلا زال سادرا في غيه معتقدا أن تخرصاته كفيلة بضمان دوام تحكمه، وهو لحد الآن يكتفي بتكرار نفس الأخطاء التي جرّت من قبله إلى مزبلة التاريخ. فرغم حصول إجماع على كون سقف مطالب حركة 20 فبراير أكثر انخفاضا مقارنة بمطالب الشعوب القريبة منا، وبحجم الدمار الذي يعانيه المغرب في معظم قطاعاته الحيوية، إلا أن المخزن اختار الرد بوسائله البالية: إطلاق الوعود السخية بالتشغيل والتنمية والحرية وغيرها من الإغراءات الجوفاء التي لاتسمن ولا تغني من جوع، فلسان حال المخزن يقول ليس في نيتي ولا بإمكاني أن أستجيب لتطلعاتكم أيها المغاربة لذا اكتفوا بوعودي وإلا فالويل والثبور لمن يتجرأ على التألم علنا أوالإفصاح عن مظلوميته أمام الملأ.

ولإظهار جديته في هذا السياق أطلق أجهزة القمع تضرب وتكسر العظام وترهب الصغير والكبير، المرأة والرجل. فالسعار الذي أصاب قوات البطش المخزني يفصح عن حالة من الرهاب تسيطر على المسؤولين في هذا البلد وتخوفهم الفعلي من انتقال عدوى الثورة إلى ربوع المغرب، لهذا قرروا التحرك لوأد أية مبادرة في مهدها لأنهم يعلمون أن كرة الثلج إذا تشكلت فلا مجال لإيقاف نموها أوزحفها. وأنى لبطشهم أن يحد من ذلك أو يوقفه، فهل نفعت هذه الرعونات من قبلهم لتنفعهم؟

إن أجراس التغيير الحقيقي تدق بقوة في رحاب المغرب، والوقت بدأ فعلا ينفذ من نظام المخزن، كما أن سياساته الهوجاء لا تعمل في الحقيقة إلا على تثبيت سنة الله التي تجلت ناصعة في ثورتي تونس ومصر وُتعبر عن نفسها الآن في ليبيا المنتصرة بإذن الله: ارتكاب نفس الأخطاء (العنف والوعود والدعاية)، يؤدي إلى السير في نفس المسار (معاداة الشعب والإمعان في الترهيب وسط سخط جماهيري متكاثف وسقف مطالب مرتفع…)، لينتهي إلى نفس الخاتمة (الشعب استرجع كرامته بإرادته، الشعب انتصر). والعبرة بمن سبق.