ثانيا: علماء الحق وعلماء الخلق

1- أسئلة محيرة مخبرة؟

من حق أفراد الأمة أن يتساءلوا عن تخلف العلماء -إلا من عافاهم الله- عن أداء واجبهم في التربية والتعليم والنصح والتنظيم والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أو قل باختصار: واجب بناء الأمة وقيادتها. ومن حقنا أن نتساءل حائرين مستفسرين:

أين أنتم سادتنا العلماء في قضايا الأمة المصيرية الكبرى قبل السؤال عن حضوركم في قلب الماجريات التفصيلية اليومية؟ أين أنتم من مخالطة الناس والصبر على معالجة أدوائهم؟ أين أنتم في الدساتير والمناهج والبرامج والمؤسسات؟ أين أنتم في اللقاءات التي تحدد مصير الأمم؟ أين أنتم في الرباطات القرآنية والاعتكافات التربوية وحِلَقِ الذِّكر؟ أين أنتم في مؤسسات الاقتصاد ومشاريع التنمية وأوكار الإعلام؟ أين تكوينكم وبياناتكم و أموالكم وسلطانكم؟ أين أنتم في دور الشباب والطلاب؟ أين توجهت أقلامكم؟ أين موقفكم من ظلم الحكام وتهميش الأمة؟ ماذا عملتم لإصلاح أوضاعنا التربوية والفكرية والثقافية والسياسية وغيرها؟ ما موقفكم علماءنا من تشتت الأمة طوائف وأقطار؟ وما رأيكم من ظُلم الظالمين واعتداء المعتدين واحتلال المحتلين؟ أين وقوفكم في وجه من ظلم واعتدى واضطهد واستبد؟ ما موقفكم وما منهاجكم وما إنجازكم في قضية الساعة: احتلال فلسطين وتشريد أهلها؟

هلا توبة إلى الله، وإلى منهاجه القرآني النبوي؟ هلا نهضتم للعمل والإنجاز والتدافع عوض التسلي بمبررات القعود والجمود والانحطاط؟

قلوب الأمة بشبابها وشيبِها معكم، فهلا قمتم لنصرة دينكم قومة رجلٍ واحد لا يخاف في الله لومة لائم؟ أم تراكم في انتظار قدوم “الأجانب” عن ملتنا كي يصلحوا لنا نظامنا التربوي و”يصلحوا لنا شأننا الديني”؟ وهل يحتاج المغرب مثلا لأمثال الأمريكي “كامبيز كانيباسيري” ليتربع في مدرسة دار الحديث الحسنية من أجل “إصلاح” شؤوننا الدينية؟ أين حرصكم على وحدة الأمة؟ أين مشروعكم؟ ما ذا أنجزتم في الميدان؟ ماذا تُعدون للمستقبل؟ ومن أين تُستمد شرعية الحكم في الإسلام في نظركم؟ أم تراكم رضيتم بذُل الواقع وظلم السلطان؟

علماءنا الأفاضل: إذا كنتم تخافون الناس في الله ولا تخافون الله في الناس فماذا يقول غيركم؟ وهل يقال الحق للضعيف دون القوي، وللفقير دون الغني، وللمحكوم دون الحاكم؟ أهكذا هو دين الإسلام؟ أم هو {اصدع بما تؤمر} و{بلغ ما أُنزل إليك من ربك} و{الله يعصمك من الناس}؟ أين صوتكم وعهدكم وإنجازكم لتوحيد طوائف الأمة وجمع أطرافها والذود عن الشرعة والمنهاج؟ أين الجهاد والاجتهاد؟ أين السنة والجماعة؟ كيف تتحقق إمامة الأمة للعالمين ونحن رقابنا لم تُفك بعد من أصر التبعية والانقياد؟

طالع أيضا  رسالة العلماء في الإسلام بين الواجب والواقع 4/4

يا علماءنا الأفاضل لا تستقيلوا من وظيفتكم النبوية الجامعة ولا تُسهموا -عن وعي أو عن غير وعي- في تثبيت المحذور: “افتراق السلطان عن القرآن” وتوظيف السلطانِ للقرآن شر توظيف. كلمتكم جهاد من الجهاد، بل أفضل الجهاد. أوليس أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر كما تعلمون؟

هلا شجاعة! أليس من أخلاق العلماء الشجاعة في قول الحق والثبات عليه؟قف دون رأيك في الحياة مجاهدا *** إن الحياة عقيدة وجهاد

2- حياة في طاعة وموت في طاعة

من فضل الله على العلماء أن جعلهم خلفاء الأنبياء في أممهم، وعلماءُ الإسلام خلفاء خاتم الأنبياء وإمام المرسلين -عليهم السلام جميعا- في أُمته، في كل شأن من شؤونها، لا في بعض الكتاب والسنة دون بعض. وليسوا خُدام الكبراء والملوك والرؤساء والأغنياء والوُجهاء وإنما هم خُدام الحق بالحق. يدورون مع الكتاب حيث دار. عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ألا إن رحى الإسلام دائرة، فدوروا مع الكتاب حيث دار، ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب، ألا إنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم مالا يقضون لكم فإذا عصيتموهم قتلوكم، وإن أطعتموهم أضلوكم، قالوا: يا رسول الله: كيف نصنع؟ فقال: كما صنع أصحاب عيسى بن مريم، نُشِروا بالمناشير وحُمِلُوا على الخشب، موتٌ في طاعة الله خيرٌ من حياةٍ في معصية الله” 1 بيان نبوي في غاية الوضوح والمسؤولية: كان الكتاب والسلطان متصالحان متعاونان متطاوعان في زمن النبوة والخلافة الراشدة، فركل السلطانُ القرآنَ وهمشه فافترقا وتخاصما بسبب ظهور أمراء وملوك مستكبرين منعوا الأمة حقها في اختيار مَن يحكمها ومِن محاسبة الحاكم وتوجيهه وتقويم اعوجاجه، فعطلوا الشريعة وجعلوا الحُكم قيصرية هرقلية كسروية، أي مملكةً تتوارث السلطة والنفوذ، رغم أن الشرع يذمها والعقل يعافها، يعطون لأنفسهم من السلط والنفوذ ما لا تدركه الأمة جمعاء! بلا حياءٍ يورثون أبناءهم وأُسَرهم المُلك والثروة كما يُورث متاع الوالد لولده.

لكن السؤال الكبير الذي لا يزال يُطرح منذ بداية الدولة الأموية إلى استفحال ظاهرة الملك الجبري هو: ما العمل؟ هل نطيعهم أم نعصيهم؟ إن أوصت بعض النصوص على الطاعة فهل هذه الطاعة مشروطة بشروط حددتها آي القرآن وبينتها واقعية السنة؟ أم أن الأمر متروك لتقدير المصالح والمفاسد بحسب الظروف والأحوال المتغيرة في الزمان والمكان؟ تقدير وتبرير. ولِمَ يتحاشى أغلب العلماء العمل بالنصوص الواضحة الفاضحة التي توصي بعصيان الحكام الذين لم تخترهم الأمة ولم يحكموا بالشريعة الإسلامية: وهي رحمة كلها وعدل كلها على حد تعبير ابن القيم رحمه الله؟

طالع أيضا  فقهاء المنابر والوظيفة الغائبة –درس من التاريخ– (5)

جوابا عن هذا السؤال الإشكالي زلت أقدام وانفلتت أقلام وتقلصت أفهام.

سكت قومُ خوفا من صلف السلطان ونقمته، وأفتى آخرون بما يرضي الحاكم طمعا لما في يده، واعتزل بعضهم فرارا بدينه من لوثة حُكم السيف، وتردد آخرون خوفا وطمعا، بينما انبرى فحولٌ وأقطابٌ واجهوا باطل السلطان بحق القرآن فدفعوا الثمن غاليا لكنهم حافظوا على ميراث النبوة صافيا طاهرا. فجزاهم الله عنا وعن العالمين خير الجزاء.

أما الجواب النبوي الأبلج عن ذلك السؤال فهو: “لا تفارقوا الكتاب”، أي لا تُفرطوا في الحق المنزل من أجل إرضاء نزوةِ مَن غلبَ وضَرب، بل اعصوا السلطان الجائر، ولا تتبعوه في جوره فتَضِلوا وتُضِلوا، حتى ولو قاتلكم وقتلكم. واصنعوا “كما صنع أصحاب عيسى بن مريم، نُشِروا بالمناشير وحُمِلُوا على الخشب، موتٌ في طاعة الله خيرٌ من حياةٍ في معصية الله”.

نفهم من الحديث الشريف أن مِن الناس من يفضل الحياة في معصية الله على الموت في طاعته فيُرضي السلطان أو يسكُت عنه في سخط الله (وأي سخطٍ أكثر من حُكم الوراثة وتعطيل الشريعة؟)، بل ويلملمون من النصوص ما يوهمون به الناس ويستغفلون عقولهم من أجل طاعة مطلقة وتبعية سوداء وسكوت مقيت وخنوع فضيع للحكام!!!

ومنهم أكابر اختاروا الحياة في طاعة الله والموت في طاعته فاضطهدهم السلطان وامتُحِنوا فصبروا، فكانوا بتحملهم وصبرهم وثباتهم على الحق منارات الهدى تضيء للناس الطريق وتهدي الحائرين إلى الله، فثبت الناس على دينهم واقتدوا بصدقهم. فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَالأمر النبوي: موتٌ في طاعة الله. وشتان بين طاعة الله في معصية الحكام وبين طاعة الحكام في معصية الله!لا تَخضعنَّ لمخلوق على طمع *** فإن ذلك نقصٌ منك في الدين
لن يملك العبد أن يُعطِيكَ خَرْدَلة *** إلا بإذن الذي سَوَّاك من طين
فلا تصاحب غنيا تستعين به *** وكن عفيفا وعَظِّمْ حُرمة الدين
واسترزق الله مما في خزائنه *** فإن رزقك بين الكاف والنون
واستغن بالله عن دنيا الملوك *** ما استغنى الملوك بدنياهم عن الدين

3- شهادة وشهادة

قال الحافظ ابن عساكر رحمه الله: واعلم يا أخي وفقنا الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته، أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة؛ لأن الوقيعة فيهم بما هم منه برآء أمره عظيم، والتناول لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم، والاختلاف على من اختاره الله منهم لنعش العلم خلق ذميم) 2 ، ومن شعر الإمام الشافعي رحمه الله ورضي عنه قوله:يا ناطح الجبل العالي لتوهنه أشفق *** على الرأس لا تشفق على الجبللكن من العالم؟ هل من له شهادة جامعية عليا يكفيه ليسمى عالما؟

طالع أيضا  الأستاذة حمداوي تتساءل: متى تتحرر الفتوى من قبضة السلطان؟!!

قيمة العالم ليست في تلك الشهادة “العالِمية” التي تمنحها المؤسسات الجامعية بعد إنجاز الطالب ل”بحث علمي” –على الحاجة إليها- خالية من هم تجديد الإيمان في القلوب بعد البِلى، وإقامة الشريعة الإسلامية في الحياة العامة بعد الانتقاض. العالم الحق من شهد بالقسط وكان نورا يمشي بين الناس، تلك هي الشهادة، العالم من وطَّن نفسه أولا على الوقوف الدائم بباب الله تعالى، من كان مع الله مفتقرا منكسرا متوكلا، وكان معه الله مُعينا مؤيدا مسددا. وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِين، العالم من نفض عن نفسه غبار القرون ليقوم بالقسط مخلصا عمله لله متبعا سنة رسول الله في شموليتها وبنائيتها.

ليس العالم من باع الدين بالتين، باع دين الله بتين السلاطين والمترفين، من تخلف عن خدمة الأمة وتوجيهها وتقاعس عن بناء كيانها على تقوى من الله وقنع من الدنيا بعرض زائل. ليس العالم من اشتغل ببعض الدين وترك بعض، وتغيب عن ساحة الجهاد والاجتهاد والتدافع. إذ الغياب خيانة للأمانة وتضييع للرسالة ودليل عل انحطاط الأمة وتخلفها وضعفها. ليس العالم من غرق في التفاصيل وانشغل بالتوابع، وغفل عن علم الغاية والمآل.

لا نقول هذا لنهون من شأن العلماء الكرام وقد أعزهم الله بدينه وأعز دينه بهم، ولا لنشمت في ما أصابهم، وإنما تذكيرا بمهمة العلماء الغالية في الإسلام، وبواجبهم تجاه الأمة وقد تداعت عليها الأمم لغثائيتها، وتجاه العالم وقد كادت سفينته تغرق، وخاصة في زمننا ونحن نستقبل بشائر ظهور هذا الدين على الدين كله. كيف والتنقيص من قيمة العلماء مذمة، ناهيك عمن همشهم وعطل وظيفتهم.


[1] رواه الطبراني و أبو نعيم في الحلية.\
[2] الحافظ ابن عساكر، “تبيين كذب المفتري” ص29.\