تثير انتباه المتتبع للشأن السياسي مؤخرا حملة إعلامية منظمة سخرت فيها مختلف الوسائل الحديثة من أجل الدفاع عن نموذجية التجربة المغربية في الشأن السياسي واستثنائها من أي احتمال يعرض المغرب لما يهدد “أمنه” أو يقوض “استقراره”.

ويهدف ذلك كله إلى إنتاج صيغ جديدة لصناعة الولاء تتجاوز ما عهدناه من أساليب قديمة، في محاولة يائسة لمسايرة الركب بعناد مكرور ممل.

فعلى مر الأجيال التي شهدت حياة الدولة المغربية الحديثة، تميزت العبقرية المخزنية بالتفنن في إبداع أشكال عديدة من أجل المحافظة على الرمزية الشعبية للطبقات الحاكمة حتى وإن اضطرت للجوء إلى أغرب الوسائل، حيث لاشيء يعلو فوق مصلحة الدولة الضامنة “للاستقرار” والمحافظة على الوحدة “الطائفية والمذهبية”.

غير أن ما يميز هذه المرحلة على الخصوص هو محاولة انتزاع إجماع صوري حول استهداف المغرب من طرف قوى خارجية وذلك باصطناع معارك وهمية يجد البسطاء من المواطنين أنفسهم مجرورين للخوض فيها من أجل الدفاع عن “هيبة البلد” مثلا أو “كرامة المرأة المغربية” أو “الوحدة الدينية والمذهبية”. وأذكر هنا على الخصوص معركة السلسلة الكويتية والمسلسل المصري والمواجهات المتكررة مع قناة الجزيرة والصحافة الإسبانية إلى غير ذلك .

وبغض النظر عن مدى جدية ما يمكن أن تحدثه هده الأحداث من تأثير في الواقع المغربي أو مس لكرامة المواطن، فإنها استغلت بشكل أكبر بكثير من حجمها الطبيعي لتشغل أنظار الناس عن همومهم الحقيقية. حتى كدنا جميعا أن نصدق أن المعطل المعتصم أمام البرلمان، والفقير المحتاج، والمظلوم الذي يبحث عن الإنصاف، والسقيم المدفوع على أبواب المستشفيات، وضحايا المنظومة التعليمية المهترئة، وأصحاب الأجور الهزيلة، وضحايا الفيضانات، وأسرى غلاء الأسعار، كل أولئك يمكن أن يتنسموا عبق حريتهم وكرامتهم بمجرد التصدي لهذا العدو الخارجي وتوجيه جميع السهام ضده.

بناء عليه أصبح كل من يحاول وضع الأصبع على أصل الداء كمن يغرد خارج سرب الإجماع الوطني، أو يشتغل وفقا لأجندات خارجية، وهو بذلك خطر يهدد استقرار البلد فينبغي مواجهته بكل الوسائل.

والحقيقة أن هذا السلوك يشكل طبيعة راسخة تميز الأنظمة البعيدة عن الديمقراطية والتي لا تدخر جهدا في محاولة تسخير كافة الجنود الظاهرة والخفية للترويج لمشروعها وتسفيه معارضيه حتى وإن كانوا من خيرة العلماء.

ولذلك قال الكواكبي: “وأخوف ما يخاف المستبدّ من أصحاب هذه العلوم، المندفعين منهم لتعليم النّاس الخطابة أو الكتابة وهم المعبَّر عنهم في القرآن بالصالحين والمصلحين في نحو قوله تعالى: أنّ الأرض يرثها عباديَ الصالحون وفي قوله: وما كان ربُّك ليهلك القرى بظلمٍ وأهلها مصلحون.

كما بين ما يصيب أبواق الاستبداد من عور في الفهم فينقلب الصلاح في وعيهم فسادا والدعوة إليه سعيا إلى الخراب فقال: وإنْ كان علماء الاستبداد يفسِّرون مادة الصلاح والإصلاح بكثرة التعبُّد كما حوّلوا معنى مادة الفساد والإفساد: من تخريب نظام الله إلى التشويش على المستبدين).

إنه عهد جديد يشهد على معركة أخرى بأسلحة وأدوات جديدة وسط خضم من المتغيرات الدولية التي فاجأت الجميع بأشكالها وتوقيتها، حتى أصبح البعض يستيقظ وهو يعتقد أنه فهم كل شيء وهو في الحقيقة لم يفهم شيئا، و يبدو الآخر وكأنه يمسك الأمور بقبضة من حديد فما هي إلا سويعات حتى يجرفه السيل كما جرف غيره. إنها سنة الله التي لا تحابي أحدا. يعز من يشاء ويذل من يشاء.

قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

فهل تنجح الصناعة المغربية في إنتاج ولاء جديد، أم هو قدر الله يصنع على عينه من يشاء لما يشاء.