شاء الله جل وعلا أن يكون أول السنة الميلادية الحالية نصرا وفرحا وفرجا للشعبيْن المسلميْن في تونس ومصر الذين رزحا تحت نير الظلم والفاقة والاستبداد عقودا طويلة. انفجر الغضب المكبوت على الفجور والاستعباد ثورةً رائدة اجتاحت ربوع تونس الخضراء فطوّحت بطاغيتها، ضِفدِع بِرْكَةِ النظام الحاكم العفنة، تلميذِ بورقيبة في “تجفيف منابع الإسلام” والتنكيل بالمسلمين. ونسج الثوارُ في مصر الطيبة، مصر الإيمان والعروبة والإباء، على منوال إخوانهم في تونس، فقاموا قوْمة طاهِرة مُطهِّرة ضد فرعون زمانه مُبارك بني صهيون، واستبسلوا في التشبث بإنهاء حكمه الدموي الفاسد، الذي جثم على رقاب المصريين المحرومين زهاء ثلاثين عاما، حتى النصر.

فاجأت الثورتان المباركتان رجلَ الشارع المنهوب ورجلَ الدولة المسؤول، ابنَ البلد المتابع للشأن العام والمراقبَ الأجنبي في مركز الدراسات والأبحاث. لطول فترة الرقاد والخنوع التي عاشها العرب المسلمون في العقود الأخيرة، ولفشو الميوعة والفسولة والاغتراب الفكري والنفاق السياسي بينهم٬ ولتجبّر الحُكام وخنقهم أي نأمة مُعارضة في المهد، وشراسة أجهزة القمع التي يغدقون على رؤساءها من مال الشعب، لم يكن أكثر المتفائلين بطلوع غد أفضل على الأمة العربية يتوقع ما حصل. لكنها مشيئة الله العلي القدير التي لا رادّ لها٬ أولا ووسطا وآخرا: إنما أمرهُ إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، مشيئته التي لا خبر بها للفلاسفة المغربين٬ وجهابذة التحليل السياسي الماديين ومحترفي الكلام في وسائل الإعلام. ومشيئته سبحانه لا تلغي الأسباب. ومنها النزول إلى الشوارع، والعصيان المدني، والإضراب عن العمل، ورفع الشعارات، وإلقاء الخطب، وحشد التأييد، والكر والفر، والموت في سبيل الله.

كشفت الثورتان المباركتان عن الهوة السحيقة التي حفرها بينهم وبين الشعوب الحكام الجالسون على عروش المؤسسات والهيئات التي تقرر في غد البلاد ومصائر العباد. فالحكام يحاربون الدين ويحكمون بغير ما أنزل الله، والشعوب متمسكة بالدين وتتوق لحكم قائم على ما أنزل الله؛ الحكام يتخذون الصهاينةَ المحتلين للأرض الفلسطينية المقدسة السفاكين للدماء أخذانا ويربطون الروابط مع إسرائيل، والشعوب تقاتل بني صهيون، وتعمل لاجتثاث الدويلة اللقيطة؛ الحكام تابعون للغرب وفلسفته، خادمون لمصالحه وأنانيته، والشعوب مناهضة له ولفلسفته، رافضة لسياسته؛ الحكام يسكنون القصور ويرفلون في النعيم، والشعوب تعشش في القبور وتكتوي بالجحيم.

أظهرت الثورتان المباركتان ضعفَ فهمِ الماسكين بأزِمَّة الحُكم للتحولات الفكرية والسلوكية عند الشعبين خاصة الشباب. لم يفهموا أن العالم أضحى قرية صغيرة كلُّ التفاصيل فيها مكشوفة، وإن كانت تمس حياة الحاكم الخاصة داخل القصر. لم تعد مراوغات وحيل الأجهزة الاستخباراتية تخدع أحدا؛ ولم تعد خافيةً كواليسُ الصفقات المالية الضخمة التي تتيح للمقربين من دوائر الحكم المنتفعين من مائدة السلطان الاغتناء على حساب بؤس الجماهير؛ كما لم تعد أساليب التعمية الإعلامية، والفولكلور السياسي، والخرافة الرسمية البائدة تنطلي حتى على الأطفال. أعْمَت أنظارَهم عن رؤية البؤس الفظيع والواقع الأسود المرير الذي يسحق السواد الأعظم من المواطنين الأبرياء الأضواءُ الموجهة إليهم في محافل الترف الدبلوماسي، ومهرجانات الخطابة الممجِّدة للحاكم الصنم، ونوادي النساء والمال والأعمال. صمّوا عن سماع صوت العقلاء النزهاء أن كُفّوا عن هذا المنكر الذي لا نظير له على الأرض بما قارفوا من جرائم وارتكبوا من آثام. ناموا على أن الناس تحرُسهم ليل نهار فيالق الأمن وأسراب المُخبِرين المنتشرين كالبعوض في كل مكان. ناموا على أن السجون مملوءة، والمحاكم مأمورة، والمعارضة مغلولة، والانتخابات مزورة، ووسائل الإعلام تتغنى بمنجزات القائد الملهم، وتمارس الشعوذة لتخدير العقول، وتسطيح الفكر، وتمييع الأخلاق، وأن المدارس تنشر العبودية، وتغرس الخضوع، وتربي الخَوَر، وتُغيِّب النقد، وتحاصر الخيال، وتصنع الجهل، والحليف الغربي المعجب بالديمقراطية من دون “الإرهابيين” يصفق للحكم الرشيد، ويمول ويساند. وهو إنما يعطي بيد ليأخذ الأضعاف المضاعفة باليد الأخرى.

لم يتعظوا بوقائع من سبقهم من الجبابرة، ولم يستفيدوا من دروس التاريخ الذي يلفظ الفراعنة والطواغيت كما يلفظ البحرُ الخبائث منه والأموات. ماتوا وإن كانوا أحياء. ماتوا سياسيا ودينيا وأخلاقيا لأنهم قتلوا السياسة، ووأدوا الدين، وأبادوا الأخلاق. على عكس الشهداء الذين سقطوا تحت نيران عِصاباتهم، الأحياء في الدنيا بقدْر من الخُلق والإيمان والبعد عن السلطان، الأحياء في الآخرة عند ربهم يرزقون.

كانت الثورتان من صنع الشباب ثم الكهول لأنها فترة القوّة والحُلم والطموح والمسرّات. ثار الشباب لأنهم نشؤوا في الحرمان والعوز، بينما أبناء الحكام يتنعّمون ويترفّهون ويبذرون تفضحُ طيشَهم الشبكةُ العنكبوتية؛ ولأنهم كبِروا في عالم يزدهر باستمرار، بينما يتخلف وطنُهم يوما بعد يوم. كبِروا ومن حولهم الشعوب تنعم بالحرية والحقوق والمساواة، فيما تُصادر في وطنهم الحريات، وتُهضم الحقوق، وتُداس المساواة. نشؤوا في ظل أنظمة تكتم الأنفاس وهم في فورة وحماسة، وتُبعِد الدين وهم إليه يعودون، ولا تعترف بالأفكار المخالفة لفكرها المقدّس وهم أصحابها، ولا تكافئ التفوق وهم المتفوقون، ولا تشجع الإبداع وهم المبدعون. انتفض الشباب لأن القادة أجهضوا أحلامهم المشروعة في الحصول على المسكن والملبس والصحة والتعليم والتسيير. التفتوا من حولهم فألْفَوا آباءَهم منزوين في البيوت قد هدّهم الفقر، ونخرهم المرض، وأنهكهم طول الانتظار، فأبَوْا الاستسلام لنفس المصير.

ثار الشعبان لغياب من ينوب عنهم في إبلاغ الحاجيات، ورفع المطالب، ومدافعة الباطل، وتغيير المنكر، وإزالة الفساد، وهو الدرس الأكبر. أفرَغ النظامان الساحةَ من كل حزب أو جمعية أو نقابة لا تسبح بحمد الرئيس، فخلت الساحة لمنعدمي الضمير وساقطي الشرف والهمة، ليتملقوا ويداهنوا ويُـمثلوا على المواطنين بدل أن يُـمثلوهم، طمعا في منصب في الهرم، أو نصيب من الكعكة. ظنَّهم الحكامُ مُحبين لهم وللوطن، مدافعين عن أمنه واستقراره، فقرّبهم وأنعم عليهم، فزادت الساحةُ فراغا، والهوّةُ عمقا واتساعا. لم يستيقظ المتهالكون على السلطة والثروة إلا بعد أن هتف الثوّار بالشعار المزلزل:”الشعب يريد إسقاط النظام”، بعد أن كانوا لا يرفعون أصواتهم إلاّ إذا ساروا وراء الأموات. خطب الرئيسان لإطفاء الغضب المتنامي، وأطلقا الوعود، وأقالا بعضا من الدُمى، وغيروا بنودا مخجِلة، فلم يصدقهم أحد لأنهم بَنَوا حكمَهم على الكذب وصناعة الأساطير.

ولقد بلغت السخريةُ من الناس مداها، والاستبدادُ ذروتَه، والانحطاطُ السياسي الأخلاقي أدنى دركاته، لما أبدى الزعيمان الرغبة في توريث الحكم: التونسي لزوجته مصففة الشَعر، والمصري لنجله “رجل الأعمال”. وكأن الأرض ابتلعت صلحاءها. وطفح الإناء فانفجرت الثورة..

وجاء النصر من عند الله. ودوّت صرخات الفرح بانهدام عروش الطغيان، وتعالت الزغاريد معلنة إشراق عهد جديد. وصدح الثوّار بالتكبير، وأقاموا الصلاة في “ميادين” التحرير، إشارة إلى أن الأرض التي بنى عليها البغاة المراقص والمواخير غدت أرضا للصلاة والتشمير، وأن الإسلام مطلب الجماهير.

وهرب اللصوص القتلة ومعهم صناديق الذهب والمال الحرام. وانقلب زبانية الأمس خُدّام البغي والفساد، في مشهد -لعمري- باعثٍ على الشفقة مثيرٍ للضحك والبكاء في آن، من التصفيق للحاكم إلى التصفيق للثوار. منافقون خونة يتبعون الحاكم ولو كان شيطانا مَريدا. يُغيرون المواقفَ كما يُغيرون القمصان، هَمّهُم السلطة والمال.

وبعد، فلئن سقط رأس الطغيان، فأذنابه باقية. الثورة خطوة كبيرة إلى الأمام، لكن الدرب لا يزال طويلا. وبناء ما خربه المفسدون عمل شاق. وأشق منه بناء الإنسان.

أحيت ثورة الياسمين في تونس وثورة الفل في مصر الأمل في نفوس العرب ووضعتا خطا فاصلا بين عهدين: عهد الانحطاط والمهانة الزائل، وعهد العزة والكرامة القادم بحول الله. الثورات قادمة لأن الأنظمة العربية نُسَخ طبق الأصل لنظام استبدادي شمولي رهيب لا يوجد إلا في خيال المرضى. ستلقي الشعوب بهذه الجثث المحنطة المسماة زورا نظما سياسية في مزبلة التاريخ. لن يفيد إطلاقُ البخور ولا ذكرُ الملاحم الزائفة. لن ينفع ترقيع آخر لحظة، لأنه لا وجود لثوب يستر عورة النظام أصلا. ولن تجدي المساحيق في إخفاء وجه الجور والفسوق والإقطاع لأن بشاعته فوق كل بشاعة. إلا إذا ثاب الحكام إلى العقل، وفاؤوا إلى الحكمة، وأعلنوا وفاة الاستبداد. إلاّ إذا تصالحوا مع الله ومع الشعوب على قاعدة أن لا يستعبد أحدٌ أحداً، ولا يقتل أحد أحدا، ولا يسجن أحد أحدا، ولا يسخر أحد من أحد. وهو ما نرجوه صادقين لبلدنا ولسائر البلدان. نسأل الله تعالى الرحمة واللطف، وأن يجيرنا من أن ننزلق إلى عنف أو فوضى، أو أن نتوَحّل في فِتنة.