بعد العمليتين الجراحيتين الصعبتين، اللتين حار فيهما العالم بأسره، لاقتلاع طاغية تونس وفرعون مصر من كرسيي الرئاسة، بدأ المغاربة يطرحون السؤال الملح: هل ينتفض المغاربة كما انتفض التونسيون والمصريون؟ أم أن المغرب بمنأى عن هذه الأحداث؟

في غياب إحصائيات دقيقة، فإن الجواب عن هذا السؤال يستوجب وجهين، إما النفي أو الإيجاب. وقد ظهر مؤخرا مؤيدون ومناصرون لكل اتجاه. فبدأنا نسمع عن فكرة تنظيم مسيرة محبة وتضامن مع النظام المغربي،كما أن خطب الجمعة تضمنت رسائل مبطنة تشيد بإنجازات المخزن خاصة رعايته لنعمة “الأمن” و”الاستقرار”، أما الجانب الآخر فقد دق ناقوس الخطر منذ أمد بعيد، وأنذر بانتفاضة شعبية ضد الظلم والطغيان واحتكار السلطة والثروة. يقول الأستاذ عبد السلام يس في “مذكرة إلى من يهمه الأمر” الموجهة إلى الملك محمد السادس: جميلة تلك الوعود المنثورة على الرؤوس بسخاء، لكن ما أبشع الخيبة حين تستفيق الشبيبة بعد حين من الأماني المعسولة على مرارة الواقع التعس! فبعد الاستعراضات والاحتفالات، سيرحل الشعر المحلق في الأجواء لِيَحل محله النثر المثقل بالبطالة والبؤس. كما تنبأ الملك الحسن الثاني رحمه الله بسكتة قلبية عاجلة ستصيب المغرب بعدما قرأ تقرير البنك الدولي لسنة 1995).

“الظلم مؤذن بالخراب” هكذا قعّد عالم الاجتماع السياسي ابن خلدون لقانون دوام وخراب الأمم والشعوب، وقبله قال ابن تيمية: إن الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمة، وعاقبة العدل كريمة ولهذا يروى، إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة).

إن الشعوب على مر العصور استهجنت الظلم المسلط عليها، فقامت ضده، واسترخصت دماءها من أجل فجر الحرية والعدل والكرامة، فأنبياء الله جل وعلا، وعلى رأسهم رسول الرحمة والعدل صلى الله عليه وسلم، إنما جاؤوا أساسا لإقامة العدل في الأرض، يحكي القرآن الكريم مخاطبا كليم الله تعالى موسى عليه الصلاة والسلام: اذهبا إلى فرعون إنه طغى، فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى، قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى، قال لا تخافا إنني معكما اسمع وأرى، فأتياه فقولا له إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك. ويحكي التاريخ الغربي ثورات غيرت وجه أوروبا من ظلم وظلام دامس إلى عصر أنوار و تقدم، وها هي اليوم تجني ثمارا يانعة غرسها ورواها بدمائهم رواد عصر الأنوار، وها هم ملوك أوروبا جميعهم يسودون ولا يحكمون، ورؤساؤها يتغيرون في كل وقت وحين.

الظلم في الطغيان في المغرب أشكال وأنواع، وأسباب ثورة الشعبين المصري والتونسي تشبه إلى حد كبير ما يعانيه المغاربة، فعلى المستوى السياسي فإن الدستور المغربي الممنوح والمفروض على الشعب المغربي والمصوت عليه بنسب خيالية (أكثر من 99‰) يعطي للملك سلطات واسعة، فشخص الملك مقدس، لا تنتهك حرمته،كما لا يمكن لخطاباته أن تكون موضوع أي نقاش، والحصانة البرلمانية لا تمتد للآراء المجادلة في النظام الملكي أو الدين الإسلامي أو المخلة بالاحترام الواجب للملك. والملك هو صاحب المبادرة الفعلية في تغيير الدستور أو تعديله عبر الاستفتاء. وهو الذي يعين الوزير الأول (من خارج الأغلبية البرلمانية إذا ارتأى ذلك) وله الحق في إقالة الوزير الأول وإقالة الوزراء. ويجمع كافة السلط: التنفيذية والتشريعية والقضائية والدينية. هذا ما يجعل جميع المؤسسات الدستورية خالية من محتواها وفعاليتها، فالمؤسسة البرلمانية، رغم ما يسبقها من تزوير وانتهاك صارخ للديمقراطية، تتسم بضعفها التشريعي، والحكومة لا تحظى إلا بسلطات ضعيفة، وليس للوزير الأول دستوريا سلطة تحديد وتسيير سياسة البلاد وحتى سلطة قيادة العمل الحكومي. وليست له سلطة خاصة على وزرائه فهم مسؤولون أمام الملك. ومسؤولية الوزير الأول والوزراء الآخرون هو ترجمة الإرادة الملكية إلى أعمال حكومية. وهذا ما يردده الوزير الأول السيد عباس الفاسي مرارا: “تطبيق تعليمات جلالة الملك” و”برنامجنا هو برنامج جلالة الملك”. وهذا ما يدحض فكرة السذج والعوام والسطحيين والمطبلين للنظام الذين يلقون باللائمة على الحكومات، وينزهون النظام ويعفونه من المسؤولية والمساءلة. فهل يعقل أن 28 حكومة تعاقبت على “حكم” المغرب منذ الاستقلال السياسي كلها فاسدة؟ والكل يعلم أن وزراء الدولة المغربية مجرد موظفين و”دمى” في أيدي المتحكمين الفعليين في رسم سياسات الدولة العامة.

أما الحالة الاجتماعية في المغرب، فحدث ولا حرج، وأقل ما يمكن أن توصف به أنها مزرية، فصور الفقر في بلادنا لا يمكن إخفاؤها ،كما لا يمكن ترقيعها بـ”مبادرات للتنمية البشرية” في ظل سياسة نهب المال العام وتبذيره. ولم يعد يخفى على أحد ما يعانيه المواطن المغربي، وما يكتوي به من نيران سياسات منظمة وممنهجة لتفقير الفقير، فمنهم من يموت جوعا وبردا، ومنهم من يتخذ المراحيض العمومية مسكنا له، هناك ما يناهز 10 ملايين مغربي لا يفوق دخلهم اليومي 20 درهما، و15 في المائة من الساكنة تعيش تحت عتبة الفقر، وما يقارب نصف الساكنة دخلهم الشهري في حدود أقل من 600 درهم خاصة المتقاعدين. والفوارق في أجور الموظفين قد تتباعد من 1 إلى 100، إذ هناك 6 مواطنين من أصل 10 يعيشون في وضع فقر مدقع. في حين أن ميسوري الحال لا يتعدون 20 في المائة بينما يعاني 80 في المائة من السكان من ضعف الراتب والدخل انهيار قدرتهم الشرائية، لاسيما في العلم القروي الذي يضم أكثر من 65 في المائة من فقراء المغرب. إلى حد أن أغلب المغاربة أضحوا لا يفكرون إلا في معضلات الإنفاق على متطلبات الغذاء والسكن، أما باقي الحاجيات الضرورية فلا طاقة لهم لتوفير مصارفها.

وفي المقابل، فمظاهر البذخ الذي تعيشه الفئة المتحكمة في خيرات البلاد فاقت كل توقع، ويعيشون في واقع نحسبه أحلاما، مثل حكايات ألف ليلة وليلة، ويكفي أن نورد هذين المثالين: فمصاريف العطور وحدها في عهد الملك الحسن الثاني رحمه الله كانت تقدر ب 400 مليار سنتيم، وميزانية القصر في الوقت الحالي تقدر ب 850 مليون سنتيم يوميا، وللقارئ الكريم أن يطلع على أرباح شركة “أونا” المقربة من القصر، كما أن ثروات كبار المسؤولين والوزراء وكتاب الدولة العامين مثل عالي الهمة، ومنير الماجدي وأزولاي وغيرهم لا يعلمها إلا الله.

مرض سيدي عمر بن الخطاب يوماً، فوصفوا له العسل دواءً، وكان في بيت المال عسل جاء من بعض البلاد المفتوحة، فلم يتداو عمر بالعسل كما نصحه الأطباء، حتى جمع الناس وصعد المنبر واستأذن الناس: إن أذنتم لي، وإلا فهو علي حرام، فبكى الناس إشفاقاً عليه، وأذنوا له جميعاً، ومضى بعضهم يقول لبعض: لله درك يا عمر! لقد أتعبت الخلفاء بعدك. ووقف ذات يوم يخطب في الناس فما كاد يقول: أيها الناس اسمعوا وأطيعوا. حتى قاطعه أحدهم قائلاً: لا سمع ولا طاعة يا عمر، فقال عمر بهدوء: لم يا عبد الله؟ قال: لأن كلاً منا أصابه قميص واحد من القماش لستر عورته وعليك حلة. فقال له عمر: مكانك، ثم نادى ولده عبد الله بن عمر، فشرح عبد الله أنه قد أعطى أباه نصيبه من القماش ليكمل به ثوبه، فاقتنع الصحابة وقال الرجل في احترام وخشوع: الآن السمع والطاعة يا أمير المؤمنين.

لقد أذلنا حكامنا وشوهوا صورة المغرب في الخارج، فالتقارير الدولية كلها تصنف المغرب في دركات دنيا ومراتب متأخرة في الميادين والمرافق الحساسة مثل التعليم والتنمية والصحة …. كما تضع المغرب في مراتب متقدمة في مجال الدعارة والدعارة الراقية والسياحة الجنسية والفساد والرشوة وقمع الحريات السياسية… فهل يفهم المسؤولون هذه الرسالة الواضحة والبسيطة الآن؟ أم هل سيفهمونها حين ينزل الشعب إلى الشارع؟