ينص الفصل الثاني من الدستور المراجع بموجب استفتاء 13 شتنبر 1996 على أن: السيادة للأمة تمارسها مباشرة بالاستفتاء وبصفة غير مباشرة بواسطة المؤسسات الدستورية)، وإذا بحثنا في الدستور عن أهم المؤسسات التي من خلالها تمارس الأمة سيادتها سنجدها ثلاثة وهي: المؤسسة الملكية، ومؤسسة البرلمان، ومؤسسة الحكومة، إلا أنه بقليل من التأمل في المضمون الدستوري نستنتج أن ممارسة السيادة تكاد تنحصر في المؤسسة الملكية.

فالملك هو الممثل الأسمى للأمة ورمز وحدتها وضامن دوام الدولة واستمرارها، وهو حامي حمى الدين والساهر على احترام الدستور، وله صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات، وهو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة)، وبالإضافة إلى هذه المقتضيات التي تبين ممارسة المؤسسة الملكية للسيادة بمختلف أشكالها وصورها، والتي توحي بعدم إمكانية اقتسام تلك الممارسة مع أية مؤسسة دستورية أخرى، فإن الملك حسب الدستور هو “أمير المؤمنين”، وقد بينت بعض الأحداث في تاريخ المغرب كيف أن حقل “إمارة المؤمنين” أتاح للملك ممارسة السيادة بالكيفية التي يراها دون أي تقييد دستوري أو غيره. ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما حدث سنة 1983، حيث أعلن الملك تمديد ولاية برلمان 1977، وتأجيل الانتخابات التشريعية إلى ما بعد الاستفتاء، الذي قررته منظمة الوحدة الإفريقية بخصوص الصحراء، وذلك حفاظا على وحدة الصف الوطني اتجاه القضية. فبالرجوع إلى دستور 1972 نجد أن إمكانية حلول الملك محل البرلمان محددة في ثلاث حالات وهي: إعلان حالة الاستثناء كما كان يحدد ذلك الفصل 35، وحل برلمان قديم وانتخاب برلمان جديد كما يحدد ذلك الفصل 17، والفترة الفاصلة بين المصادقة على الدستور ووضع المؤسسات الدستورية. وبما أن الحالات الثلاث لم تكن متوفرة سنة 1983 فقد تم اللجوء إلى “إمارة المؤمنين” باعتبارها ضامنة لدوام الدولة واستمرارها.

فالمؤسسة الملكية سواء بمكانتها الدستورية أو برمزيتها “الدينية”- المنصوص عليها دستوريا- تملك السلطة امتلاكا مطلقا، ومن ذلك السلطة التشريعية، ويتجلى ذلك في تقليصها أو تمديدها للولايات البرلمانية، وحلها محل البرلمان في التشريع، وضرورة تأشيرها على مشاريع القوانين في المجلس الوزاري، وتوفرها على حق حل مجلسي البرلمان أو أحدهما، وحق إصدار الأمر بتنفيذ القانون، وحق مخاطبة البرلمان والأمة.. وكل ذلك يستمد من خارج الحقل الانتخابي طبعا، كما أن المنتخبين بمختلف مستوياتهم لا يمكن أن يراقبوا من قريب أو بعيد الملك، بل إن خطب الملك لا يمكن أن تكون حتى موضوع أي نقاش كما ينص على ذلك الفصل 28 من الدستور، وعلى العكس من ذلك فإن الملك، باعتباره “أمير المؤمنين” دستوريا، هو من يراقب النواب. كل هذا يؤكد محدودية ممارسة الأمة لسيادتها عن طريق انتخاب نواب عنها.

كما أن التوتر العام الذي طبع انتخابات 1963، والذي أسهم في حل البرلمان وإعلان حالة الاستثناء في 6 يونيو 1965، دفع المؤسسة الملكية إلى مراجعة بعض قواعد اللعبة السياسية، وكان ذلك من خلال العمل على تقليص حجم المعارضة في البرلمان، بحيث لا تحصل على عدد هام من المقاعد يمكنها من الإطاحة بالحكومة أو إرباكها. هذا من الناحية العملية، أما من الناحية الدستورية فقد أضاف دستور 1970 وصفا جديدا لأوصاف الملك الواردة بالفصل 19 ألا وهو “الممثل الأسمى للأمة”، وبالمقابل فإن الأحزاب السياسية، التي كانت بمقتضى دستور 1962 تنفرد بالمساهمة “في تنظيم المواطنين وتمثيلهم” أصبحت تقوم بهذه المهمة إلى جانب “المنظمات النقابية والمجالس الجماعية والغرف المهنية”. لقد كان واضحا من هذه التغييرات تقليص دور المشروعية الانتخابية في فرز ممثلين للأمة.

إن الدستور المغربي يتضمن نوعين من التمثيلية؛ تمثيلية عليا يملكها الملك انطلاقا من الفصل 19 أساسا، وتمثيلية دنيا تترك للبرلمانيين، وكان من أبرز مظاهر هذه الثنائية التراتبية للتمثيلية في النظام السياسي المغربي ما يلي:

– السعي الحثيث إلى رفع نسبة المشاركة في الاستفتاءات التي يدعو إليها الملك باعتباره “الممثل الأسمى” مقارنة مع نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية التي تكون من أجل التمثيل الأدنى؛

– تأكيد سمو مؤسسة البيعة باعتبارها تقليد واجب في حق “الممثل الأسمى” على مؤسسة الانتخابات، بل إن المشاركة في هذه الأخيرة، والظفر بما يمكن أن ينتج عنها في مجال التمثيل الأدنى مشروط بالتسليم بسمو المؤسسة الملكية، أو بعبارة أخرى انتخاب الممثلين في البرلمان مشروط ببيعة الممثل الأسمى؛

– تأكيد وجود مجال ملكي خاص غير محدد دستوريا يناسب مقام التمثيلية العليا في مقابل مجال برلماني محدد ومقيد يناسب هامش التمثيلية الدنيا؛

– تأكيد حرية صاحب التمثيلية العليا في تعيين الحكومة ووزيرها الأول، دون الإلزام بأي احترام لإرادة الشعب المتمثلة في التمثيلية الدنيا من خلال البرلمان.

يضاف إلى ذلك أن حرص المؤسسة الملكية على أن تكون “فاعلة”، كان له تأثير سلبي غير مباشر على المشروعية الانتخابية، لأن فعاليتها وقدرتها على الإنجاز لا علاقة لها بالمشروعية الانتخابية لكونها مؤسسة “مبايعة” بنص الدستور وليست منتخبة، هذا من جهة، أما من جهة أخرى فإن إمكانات الفعل المتاحة للمؤسسة الملكية، وبمقابل ذلك تعدد العوائق، التي تحد من العمل البرلماني والحكومي، كل ذلك سيكرس ضعف فعالية العملية الانتخابية، وهامشيتها في النسق السياسي والدستوري، رغم بعض التغييرات الجزئية الإيجابية التي كانت على المستوى القانوني والتنظيمي.

نستنتج مما سبق أن المؤسسة الملكية حسب الدستور المغربي تكاد تكون الممارس الأول والوحيد للسيادة باسم الأمة، وهي بذلك تمتلك كل السلطة، سواء التأسيسي منها، أو الفرعي، وفي نفس الآن لا تسمح بمن يمثل الشعب عندها لأنها الممثل الأسمى. لا تسمح بذلك ولو على سبيل الوساطة، لأن من القواعد الجوهرية في اللعبة السياسية المغربية عدم قبول وسطاء بين الملك والشعب، فهذا ما تؤكده ملاحظات مصطفى السحيمي حين لاحظ أن خطب الملك موجهة لكل الشعب، ولو كانت ضمن اجتماعات، ويؤكده الدستور حين نص على أن خطب الملك توجه إلى الأمة والبرلمان، إذ لا يمكن، بأي حال من الأحوال، لهذا الأخير النيابة عن الأمة، ولو في الاسترشاد بخطب الملك. وكل هذا يؤكد هامشية المشروعية الانتخابية في النسق السياسي والدستوري بالمغرب.