بات لجمهورية مصر العربية اليوم تاريخ فارق هو الخامس والعشرون من يناير2011 م، بعده بثمانية عشرة يوما من الاحتجاج الشعبي وقف رجل المخابرات الأول معلنا تنحي مبارك عن الرئاسة، وبذلك يكون المتظاهرون قد حققوا أصعب أهدافهم في طريق التخلص من نظام استبدادي مقيت أمعن في إذلال المصريين وتآمر على قضايا الأمة العادلة وعلى رأسها قضية فلسطين.

سيسجل التاريخ بمداد من الخزي والعار لهذا المندحر المتهاوي إعلان الحرب على قطاع غزة الصامد عام 2006م من قاهرة المعز على لسان مجرمة الحرب الصهيونية تسيبي ليفني.

هذا اليوم 11/02/2011م شهد استدارة ب 180° من حالة غضب واحتجاج لحالة فرح وابتهاج لدى شعب مصر البطل، كما شهد سقوطا مدويا ومريعا لديكتاتور جثم طويلا فوق رقاب أكثر من 80 مليون مصري.

انتهى ضجيجك يا مبارك!!!

ما جرى في ميدان التحرير خلال التظاهرات كان مثار اهتمام أحرار العالم وانتزع قدرا غير يسير من الاحترام لشعب مصر العظيم، الذي أعطى النموذج في التسامح بين كل التيارات والمرجعيات الدينية والفكرية والحيثيات الاجتماعية من مختلف الأعمار وإن كان دور الشباب مؤثرا لا تخطئه العين.

وما شاهدناه من تفاهم وتعايش بين المسلمين والأقباط أثبت بما لا يدع مجالا للشك أن النزاع الطائفي صناعة حكم مبارك بامتياز ومطية لتسويغ البقاء في كرسي الحكم مدى الحياة.

وما تابعناه من إصرار المحتجين على الصمود في وجه إجرام واعتداءات أجهزة مبارك الأمنية تجسيد عملي لكبرياء المصريين التي لم تفلح السياسات القمعية للنظام طيلة عقود في كسرها.

الجندي المصري البطل والمشارك في كل الحروب ضد الكيان الصهيوني الغاصب أصبح على عهد مبارك مجرد حارس لدولة العدوان في وجه المتسللين ومحاصرا لأخيه في قطاع غزة. مخازي بعضها فوق بعض إذا نظرت إليها تنكشف لك الغصة في حلوق المصريين الشرفاء.

بالمقابل ما كان يجود به إعلام مبارك كان مثار سخط عريض وساهم إلى حد كبير في التعجيل برحيله غير مأسوف عليه، فقد تفنن في تدبيج خطبه باستظهار” بطولاته” في الحرب والسلم بلغة الخشب الذي نخره السوس.

ففي الحرب يشهد له المطلعون أنه لم يحارب قط لا برا ولا بحرا ولا جوا، وأن وصوله مربع الحكم كان بمثابة “حادثة” رمت به من القوات الجوية إلى مقعد نائب الرئيس، وصورة فزعه وهروبه من المنصة التي عرفت مقتل رئيسه أنور السادات تنضح بمعاني الجبن والخوف.

ويكفي مبارك “فخرا” أن جيرانه من قادة الصهاينة كانوا أشد المنزعجين من الانتفاضة الحالية، وهم الذين يعتبرونه “كنزا استراتيجيا”.

أما في السلم فسجل مخازيه طويل عريض ليس أقلها تكديسه مليارات الدولارات في بنوك أوروبا بينما 40% من شعبه يرزح تحت عتبة الفقر والسور الفولاذي لإطباق الحصار على غزة الصامدة وتآمره على انتفاضة شعبه بتخويف الغرب من الإسلاميين القادمين لسدة الحكم.

لقد كان لمبارك في خلفه بن علي عبرة، لعب على كل الرهانات من تشويه للمتظاهرين وتقتيل العشرات منهم وتخويف الغرب من أنهم حفنة من المتطرفين الإرهابيين، فلم تغن عنه حيلته من السقوط شيئا فأصبح هائما على وجهه يستجدي ملجأ بعدما ضاقت عليه الأرض على رحابتها.

كان لمبارك أن يضمن لنفسه وأهل بيته خروجا آمنا ومشرفا وذكرا طيبا لو ترك الرئاسة قبل انطلاق الانتفاضة يوم 25 يناير وتفويض الأمر لمن يرضاه الشعب، لكنه العشق الجامح للمنصب وعناد العسكري في خريف العمر أردياه في مهاوي الخزي وأسقطاه من أعين شعبه وأنهيا ضجيجه، فهل من مذكر؟

وماذا عن ديكتاتوريتنا المقنعة؟؟؟

ليس قصدي من العنوان أعلاه أن أفجع المشكلين للديكور الديمقراطي للدكتاتورية المغربية بمصير قد يعري الجميع وينسف شعارات زائفة من قبيل التغيير من داخل النظام وبأدواته، إنما مرماي التنبيه إلى ملمح أساسي طبع التغيير في كل من تونس ومصر.

الملمح الأساسي يستدعي تساؤلين أساسيين:

1- هل شروط الانفجار الاجتماعي السياسي الذي شهدته كل من تونس ومصر متوفرة بالمغرب؟

2- في حال الإيجاب، هل تنفع أكذوبة الفرادة المغربية وأننا بعيدون عما حدث بالقطرين الشقيقين؟

أ- بخصوص التساؤل الأول يكفي التمعن في الأرقام الآتية

* تراجع المغرب للرتبة 89/180 في مؤشر إدراك الرشوة بحسب “ترانسبارنسي المغرب” بفقدانه 9 نقط.

* احتلاله للرتبة 93/178 في مؤشر الدول الفاشلة، حسب تقرير “مؤشر الدول الفاشلة”.

* تربعه على المرتبة 106/128 على مؤشر تطور التعليم حسب تقرير اليونسكو حول التعليم.

* تراجعه إلى المرتبة 127/175 في حرية الصحافة بناءا على التصنيف العالمي لحرية الصحافة الذي تعده منظمة “مراسلون بلا حدود”، والمرتبة 140/195 حسب ترتيب منظمة بيت الحرية “فريدم هاوس”.

* تصنيفه في الرتبة 120/167 حسب مؤشر الديمقراطية في تقرير دولي أعدته “وحدة الايكونوميست” البريطانية ضمن خانة البلدان ذات النظام السلطوي.

وبعيدا عن هذه التصنيفات المهينة والمراتب المخجلة، نسوق مثالا واحدا للشحنة التخريبية لمنظومة الفساد بالمغرب والمتجسد في سرقة 115 مليار درهم من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وهو المبلغ الكافي لتوفير 4 ملايين منصب شغل بحسب الادعاء العام للمحكمة الرمزية التي بثت في النازلة.

بهذا نصل إلى نتيجة فاقعة ساطعة لا ينكرها عاقل، مؤداها أنه ما لم يبادر الحاكمون بهذا البلد إلى إصلاحات جذرية عميقة تقطع مع ماضي الاستبداد وتحقق الآتي:

1- مبدأ العدل في الحكم بالاختيار الحر والنزيه.

2- مبدأ العدل الاجتماعي باعتماد الكفاءة كمعيار وحيد لتولي المناصب والعدل في تقسيم خيرات البلد.

قلت ما لم يبادر الحكام بذلك فإنهم يضعون البلاد والعباد على جرف يبزغ منه فجر جديد.

ب- أما بخصوص التساؤل الثاني

يحلو لكثير من منظري الاستبداد أن يحدثونا عن الدولة المغربية الفريدة التي لم يشملها حكم المشارقة من أمويين وعباسيين وهلم ملوكا ليخلصوا، في إسقاط غريب على الحاضر، لنتيجة مؤداها أننا بعيدون عما يحدث، كما يحلو لهم أن يطمئنوا لمستعمري الأمس القريب.

مشكلة هؤلاء أنهم يغيبون عن نظرهم معطيات ومستجدات كثيرة:

1- التطور التكنولوجي المذهل خصوصا في مجالات التواصل وضعف قبضة الدول على شعوبها بفعل التدفق الهائل للمعلومات والمعطيات عبر وسائط الإعلام والاتصال المتعددة.

2- تخلص الشعوب من الخوف المكبل لإرادتها، وإطلالة سريعة على الصفحات التفاعلية والمواقع الاجتماعية بالإنترنت تظهر براكين الغضب والاحتجاج المتصاعد وتكشف المنسوب العالي للوعي بضرورة التغيير والجرأة الكبيرة على الحاكمين.

3- الاحتماء بالغرب لم يعد مضمونا للحكام المتفردين بالحكم ومصلحة أي حزب حاكم بالغرب أن لا يسمح لديكتاتور باللجوء، وما حاكم تونس عنا ببعيد.

والمشكلة العويصة عندهم أن إرادة الشعوب لا تقهر متى كانت مستعدة للنزال وقادرة على تسديد الفاتورة لآخر قطرة دم، وأن عدوى التغيير تنتشر بشكل سريع فالبارحة تونس واليوم مصر بما تعنيه من قوة إقليمية وموقع استراتيجي، ترى على من يأتي الدور غدا في خريف الدكتاتورية هذا؟

ترى هل لنخبة الملق أن تجمع أمرها وتصحح مسارها قبل أن يدهسها طوفان التغيير. أم تراها تراهن على مرور العاصفة وهي لا تدري أنها قاصمة.عما قريب تنكشف الأمور ونشهد مخازي أهل الزور.

وكل انتفاضة وأمتنا بخير…

لشهداء تونس ومصر الرحمة والغفران من الواحد المنان، والخزي والعار لكل ظالم جبار.