حدث عظيم

قال الله تعالى: حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين. سورة يوسف الآية 110.

ما يشهده العالم هذه السنة، سنة 2011، هو أحداث عظيمة غير عادية بالمطلق في تاريخ الأمتين العربية والإسلامية. إذا كنا إلى حين نسمع عن استحالة تغيير واقعٍ المسلمون فيه، على طول المعمور، معدن لكل ضعف وانتكاس، والغرب فيه شرطي العالم يستعبد ويجور بحربه وماله وأنظمة الجبر الدكتاتورية، فإن انتفاضة الشعبين التونسي والمصري شكلت آية من آيات الله تنطق بأن الشعوب قادرة على فعل المعجزات وبناء واقع العدل والكرامة والحرية.

لقد أذهلت الثورتان المصرية والتونسية العالم بأسره، فما من خبير دراسات ولا محلل سياسي إلا ويقول بمباغتة الأحداث وخرقها لكل التوقعات. وصناع القرار في العالم والنظم السياسية خاصة العربية منها، اختلطت عليها الأوراق، وغدت تترنح بين ردود أفعال – تصل إلى حد التناقض – تؤكد قصور نظراتهم الإستراتيجية ومحدودية قبضتهم الحديدية. لكن، هذه سنة الله في كونه التي تأبى إلا أن تظهر الحقيقة الخالدة، الله فوق كل شيء، الله علمه أوسع ومكره أحسن ونصرته للمظلوم كتاب ينجزه سبحانه وتعالى ولو بعد حين. هذا قدر الله وكفى.

هاتان القومتان المباركتان للشعبين المصري والتونسي إلى حدود ما أنجزتاه من الإطاحة بالطاغيتين بنعلي ومبارك، وباعتبار ما تميزتا به، هما من حيث التموضع في كتاب التاريخ الأعظم. الأعظم بالمقاربة مع التغييرات السياسية التي مرت على البلدان العربية نتيجة انقلابات عسكرية أو ثورات نخبوية سرعان ما انقلب عليها.

الأجواء التي مرت فيها الانتفاضتان هي أساس صلب يعول عليه لإتمام البناء، نذكر من ذلك سلمية الثورة التي هدفت إلى إحقاق الحق وإزهاق الباطل، بقوة الفعل، لا بتصفية الحسابات والتخريب وسفك الدماء. ثم مشاركة جميع مكونات الشعب فيها، بالطبقة الكادحة فيه ومثقفيه والمؤطرين منه وحتى بعض رجال الأعمال الذين كانوا محاصرين من طرف النظام البائد. فتحمل الجميع مسؤولية التغيير، وهذا دافع لأن يتحملوا جميعا مسؤولية البناء التي هي ثمرة الثورة وعربون الوفاء لدماء الشهداء. ثالث المميزات، الوعي الجماهيري، وعي بوجود الظلم والفساد، ووعي بضرورة تغييرهما، ووعي بطريقة تغيرهما، وإيمان حمله القائمون على الظلم بأنما هي نصر أو شهادة. رابع هذه المميزات، الإقدام والشجاعة والتحرر من قيود الخوف.

وننتظر أن تكون بمشيئة الله أعظم من حروب التحرير التي واجهت المستعمر والتي التف فيها على دماء الملايين من الشهداء وبطولات رجالات التحرير والجهاد التي تمخض عنها الواقع العربي البئيس بعد ما سمي بالاستقلال. واقع أساسه التجزيء والحدود واليهود، وقوامه قبضة النظم الديكتاتورية، وظاهره ما شئت من أوصاف الظلم والفساد والجهل والتخلف والفقر والخنوع والتبعية وهلم جرا.

ولى زمن الانتكاسات وجاء زمن الانتصارات

إلى زمن قريب كنا لا نسمع إلا عن مجازر اليهود في فلسطين والنكبات العربية ومذابح البوسنة والهرسك وحصار العراق والحرب على أفغانستان والعراق. إلى حين من الزمن كانت عقيدة كثير من الناس أن الضعف والوهن والمسكنة قدر الأمة المسلمة، أن المصائب والمجازر والفوضى واللاستقرار والتخلف سمات الأمة الإسلامية، أن الغرب بقوته في السياسة والثقافة والاقتصاد وبالنظم الشمولية التي استودعها الدول المستضعفة بعد إخراج جحافله الاستعمارية منها، لا يقهر ولا يهزم ولا تنضب حيلته ولا يغلب سلاحه. إلى حين ترسخ في العقول والنقول والواقع أن قومة شعب مستضعف وتأسيس نظام حكم عادل يحتضن تطلعاته للازدهار ويقود سعيه الفطري لمناهضة الظلم والفساد حلم عابر وضرب من الخيال. ولعل انتشار دعوة الواقعية والتغيير من داخل النظم القائمة ما يعبر عن ذلك.

لكن أبى الله عز وجل إلا أن ينجز وعده بعد أن يستيأس الناس، فقضى بحكمه أحداثا تاريخية أعادت الحياة للأمة.

في سنة 2006 واقعتان مهمتان، أولاهما على مستوى الحكم سقوط الطاغية العربي، صدام حسين. وثانيهما على مستوى الصراع مع الكيان الصهيوني، حرب لبنان الخالدة. شكل الحدث الأول رغم ظروفه وسياقه ومن استعمله الله عز وجل في إنجاز قدره، درسا مهما عن مصير الطواغيت. وشكل الحدث الثاني، درسا مهما عن قوة الله ونصرته للمستضعفين ووهم أسطورة من لا يقهر. وجاءت سنة 2008 بآية تسبح بحمد ربها، معجزة غزة، فيها ما فيها من الدروس، نذكر منها ما جعل تربية للشعوب التواقة للحرية، فلا محالة كل شعب ينشد التغيير سيستصغر أي ثمن يبدله مقابل الحرية أمام الثمن الذي دفعه أهل غزة. أهل غزة كانوا أولى بالخوف ولم يخافوا وكانوا أولى بالجزع والتذمر وما فعلوا وكانوا أولى بالخنوع وما خنعوا. ولكن صبروا وصابروا إلى أن انتصروا.

قومتا الشعبين التونسي والمصري سنة 2011 ليستا طارئين منفصلين عن سياق تاريخ الأمة. بل هما استمرار لزمن الانتصارات التي شكلت سنة 2006 منعطفا مهما إليها، وهما استمرار للقطع مع زمن الانتكاسات. لقد عرفتا الشعبين العظيمين بنفسيهما وبمؤهلاتهما، وفجرتا الطاقة التي تفان الطواغيت في خنقها طوال عقود. الآن، التونسيون والمصريون هم أمام التحدي الأكبر بعد الإطاحة بالرئيسين الفاسدين، ألا وهو تحدي بناء البديل. ما أنتجته الثورة من تعميق الوعي وخلق فضاء الحرية وبناء الشخصية المشاركة القائمة على الظلم الشاهدة بالقسط، تبعث في النفوس الآمان والاطمئنان على أن قطار التغيير في السكة الصحيحة وأننا سنشهد مستقبلا واعدا تفتح فيه الآفاق الرحبة.