“هذا كلام فارغ” علق أبو الغيط وزير خارجية حسني مبارك البائد على إمكانية انتقال عدوى انتفاضة تونس إلى مصر. وعلى نفس النهج يسير الحكام والساسة العرب، كلهم يدعي أنه في مأمن، وأن قمة جبل ما يعتبرونه إصلاحا ترقيعيا سينجيهم من طوفان غضب شعبي استعر، من قبيل التصريح الاستباقي بعدم ترشح رئيس جاثم على صدور الشعب لعقدين ونيف مستقبلا في الانتخابات الرئاسية، أو توزيع مساعدات مادية على الفئات المفقرة من الشعب، إلى رفع حالة الطوارئ، إلى أسلوب الجري إلى الأمام بادعاء رأس النظام الخروج مع الشباب المتظاهر ضده على سوء تدبيره لشؤون العباد،.. تعددت الإجراءات، والهلع من “الشعب يريد…” واحد.

المغرب ليس استثناءً في العالم العربي، ولا أدل على ذلك من التدابير المستعجلة التي هرولت الحكومة لاتخاذها، ومن ذلك:

– تخصيص خطبة جمعة 28 يناير2011 لموضوع حب الوطن الذي يعني في مخيلة المسؤولين حب النظام السياسي، واعتباره منة إلهية وهبة ربانية تستوجب الشكر. خطبة جاءت خارج السياق، حَرَصَتْ وزارة تدبير الشأن الديني على تعميمها موضوعا وصياغة لتوحيد التصور والخطاب في شأن بالغ الحساسية، تعتبره الوزارة الوصية على الأمن الروحي للعباد واجب المرحلة بلغة الفقهاء.

– المسارعة لمعالجة ملف المعطلين من حملة الشهادات العليا، والذين أوشك أغلبهم أن يتقاعد معطلا. معالجة جاءت بعد مسلسلات التسويف والتماطل، تعاقبت خلاله حكومات، وظل الثابت فيه لغة الهراوات الغليظة لطالبي حق دستوري: الشغل فقط.

– مراسلة المسؤولين الجهويين والإقليميين والمحليين لتفادي كل أشكال استفزاز المواطنين وخفض الجناح لهم وحسن استقبالهم والاستجابة لمطالبهم قدر ما يمكن دون تسويف.

– حِرصُ ثلاث نقابات داعية للإضراب الأخير في قطاع التعليم أيام: 8، 9، 10 فبراير الجاري على توجيه بيان غير مسبوق للآباء وأولياء التلاميذ يؤكد فيه الداعون للإضراب أن مطالبهم اجتماعية صِرفة، في رسالة طمأنة إلى من يهمهم الأمر أن النقابات بريئة مما قد ينجم عن هذا الإضراب.

– تساهل السلطات المحلية مع الباعة المتجولين الذين كانت السلطات في كر وفر معهم منذ سنوات، فسمحت –مكرهة- لهم بتحويل الشوارع والساحات العامة لسويقات متنقلة، واختفى فجأة أعوان السلطة الذين كانوا يطاردون الباعة المتجولين ولا يتوانون في العبث بسلعهم والإمعان في إذلالهم.

– الاتفاق مع مضربي المحاكم والاستجابة لمطالبهم وتوقيع اتفاق بعدم خوض أي إضراب قبل نهاية شهر أبريل القادم، بعد تجاهل دام سنوات لمطالب شغيلة وزارة يُطلبُ فيها العدل.

– الاحتفال بأي مقال يشيد باستقرار أوضاع المغرب حتى ولو نشر في صحيفة جهوية في الولايات المتحدة، لا يعرف رئيس تحريرها بله قراؤها أين يقع المغرب أصلا.

– إعلان الحكومة زيادة دعم المواد الغذائية بعد مسلسل من رفع غير معلن للأسعار، فضحته الحركات الاحتجاجية لمنظمات المجتمع المدني والتي لم تنج -في الغالب- من تعنيف السلطة: أحداث صفرو نموذجا.

– تخلي الحكومة -مؤقتا ربما- في شخص ناطقها الرسمي عن لغة الوعيد والتهديد المعهودة في التعامل مع الحركات الاحتجاجية؛ بل وأعلنت الحكومة مشروعية مطالب من ينوي الخروج للتظاهر يوم 20 فيراير2011 قبل الإعلان عنها، واستعداد الحكومة للتجاوب مع المطالب لا للاستماع إليها فقط، على حد تعبير وزير الاتصال مساء الثلاثاء 15 فبراير2011 عقب اجتماع الحكومة.

إن التظاهر الشعبي لا يخيف نظاما سياسيا يعبر صدقا وحقا عن إرادة الشعب، وإلا فقد غص الشارع الفرنسي بملايين المحتجين الرافضين مشروع تعديل قانون التقاعد، وقد تكبد الاقتصاد الفرنسي خسائر بملايير الأوروات، ونوقش المشروع في الجمعية العامة وتم إقراره، واستؤنفت الحياة السياسية والاقتصادية وكأن شيئا لم يقع.

السؤال الذي يطرح نفسه والحالة هذه هو: هل الأنظمة العربية قادرة على أن تتوب من غيها وتتصالح مع شعوبها من خلال تدشين عهد إصلاح جدي؟ أم أن العزة بالاستبداد تغلب الجنوح للرشد، ويحق عليها القول لتجد نفسها يوما أمام جحافل شباب غاضب يردد: “الشعب يريد..”؟ الكُرةُ في مربع الحكام العرب إلى حين، مع الإشارة أنه ليس هناك أشواط إضافية أو وقت بدل الضائع.