أم الدنيا أرادت

لم تستفق الشعوب العربية تحديدا والعالم عموما من حالة الذهول وقوة المفاجئة التي أحدثتها انتفاضة تونس، إلا لتقع أسيرة انتفاضة مصر أم الدنيا التي قادها شبابها، واختاروا لها ميدان التحرير في قلب القاهرة منطلقا وفضاءً، وتفننوا في عرض لوحاتها التي تنم عن حس فني عريق جسدت الشعارات الجانب الحيوي منها. شعارات جمعت بين قوة المطالب السياسية، وبين روعة التعبير وجماليته.

ومع تنوع الشعارات وتعددها جاء شعار الشعب يريد إسقاط النظام) ليختزل مطالب الانتفاضة، ويلهم الشعوب ليكون صناعة تونسية محضة، حجز مكانه في لغة الناس وتواصلهم اليومي، وردده الصغار قبل الكبار.

“الشعب يريد إسقاط النظام” جملة سحرية اكتشف المصريون أنها المفتاح لحل معضلة الاستبداد والظلم اللذين رزح تحت نَيْرِهما الشعب المصري عقودا من الزمن. ووعيا بحمولة هذه الجملة وقدرتها على إسقاط أعتى نظام استبدادي في عالمنا العربي، نقف معها وقفة إعرابية في محاولة لاستقصاء الوظائف الإعرابية والدلالات اللغوية.

على سبيل الإعراب

الشعب: مبتدأ مرفوع بضمة ظاهرة على آخره، والعامل في رفعه الابتداء. والرفع رِفعة وعلو وسؤدد وهذا دأب الشعب، لأنه مصدر الرفعة وصاحب السلطة. فلا رفعة لمن لا يرفعه الشعب، ولا سلطةَ لمن لم يفوضها له الشعب. والمبتدأ عمدة في الجملة الاسمية، إذ لا يمكن الاستغناء عنه. وعليه، فالشعب هو المبدأ والأصل، ومن لفَظَهُ الشعبُ عليه أن يتنحى ويرحل.

يريد: فعل مضارع مرفوع بضمة ظاهرة على آخره، يفيد الحال والاستقبال، وفاعله ضمير مستتر جوازا تقديره: هو أي الشعب. وجملة “يريد” الفعلية في محل رفع خبر. وكون الخبر جاء جملة معناه أن الإرادة شعبية جماعية تلغي شرعيتُها ما دونها من الشرعيات، فإرادة الشعب أقوى من أن تقاوم أو تهزم. وعبثا حاول النظام المصري المتهالك استرداد المبادرة، فتوعد وهدد وتوسل ودغدغ المشاعر وشكك وخوَّن ثم أذعن واستسلم.

إسقاطَ: مفعول به منصوب بفتحة ظاهرة على آخره. أي أن سقوط النظام بادٍ ظاهر جلي لما راكم من أسباب الانهيار والإفلاس: استبداد في السلطة، احتكار للثروة، فساد في التدبير والإدارة. في كلمة واحدة: نظام تعفنت دواليبه، وصدئت لوالبه، وافتقدت في السوق قطع غياره، وإكرام نظام ميت دفنه في مزبلة التاريخ. وهو ـ إسقاط ـ مضاف لاسم معرفة فاكتسب بذلك التعريف، فصار الإسقاط معروفا معلوما، وبلغة السياسة مشروعا.

النظامِ: مضاف إليه مجرور بكسرة ظاهرة على آخره. وكسره وانكساره تجلى في أكثر من مجال: انكسر لما غدا الحكم مغنما ووراثة، فقايض النظام مصالح مصر بل والأمة العربية بمطلب شخصي متمثل في التمسك بالحكم، فأقصيت مصر من أن تضطلع بدورها الريادي لبناء مشروع الأمة الإسلامية تحمي مقدراتها وتصون حقوقها وتذود عن عزتها بين الأمم. انكسر النظام لما تنكر لمطالب الشعب وحقه في الحياة الكريمة، فوسع دائرة الفقر، ليعيش أكثر من 40% من الشعب بأقل من دولارين في اليوم، وتتكدس الثروات بالمقابل في زمرة من سدنة الحكم، يغدق عليهم بالعطايا والامتيازات على قدر ما يقدمون من ولاء واستجابة بليدة لهوى الحاكم. انكسر النظام وانتهت صلاحيته، ولم يقو على مجاراة شباب وظف وسائل عصره ـ الفايس بوك ـ فاضطر لتوظيف احتياط تخلفه “فغزا” ميدان التحرير بالجِمال والخيول والبغال في محاولة يائسة فَقَدَ معها ما تبقى من رصيد شعبي.

استدراكان

1. “الشعب يريد إسقاط النظام”: جملة اسمية تقريرية تفيد التنصيص على حقيقة مُسَلَّمٍ بها، لا يُختلف في شأنها، لذلك لم تتأخر فئات الشعب في الالتحاق بميدان التحرير في مشهد ملحمي مَهيب حيث ذابت الفوارق والحيثيات الاجتماعية والمهنية وحُمل الشيخُ الأزهري على الأكتاف يردد: ارحل، ارحل، ارحل.. “يُشرعن” المطالبة بإسقاط النظام.

2. بُعيد تهاوي النظام وسقوطه سارع المتظاهرون برفع شعار “الشعب أسقط النظام” تعبيرا عن تحقق الهدف في رسالة لمستضعفي العالم أن الفرق بين الاستبداد والحرية، وبين المهانة والكرامة أن يريد الشعب. ومتى أراد سيكون له ـ بإذن الله تعالى ـ ما يريد.

حيثيات

“الشعب يريد إسقاط النظام” شعار انتفاضة غير مسبوقة، من حيث سقف المطالب إذ لم ترض بغير تغيير النظام بديلا. ومن حيث الوسائل إذ نُسجت خيوطها وحبكت مراحلها وبُلورت خطتها على صفحات “الفايس بوك” الافتراضية. ومن حيث صمودها وثباتها أمام زوابع التشكيك في القدرة على مقاومة نظام محنك في اختراق قواعد الخصوم ومتمرس على احتواء الحركات الاحتجاجية بالترهيب قبل الترغيب. ومن حيث الغلاف الزمني فرغم أشكال الممانعة العنيدة تهاوى النظام بالضربة القاضية بعد ثمانية عشر يوما، لتسجل انتفاضة أرض الكنانة رقما قياسيا جديدا بعد إنجاز انتفاضة تونس التي تطلبت ثمانية وعشرين يوما. رقم قياسي جديد يجب أن يؤخذ بالحسبان. ومن حيث السلوك الحضاري فقد حافظت الانتفاضة على سلميتها رغم الاستفزازات، وأبانت ترسخ قيم التعايش والتآزر في وجدان الشعب المصري، وما أروع مشهد القداس بعد صلاة الغائب على الشهداء والابتهال لله تعالى أن يحقن الدماء ويتنزل بالنصر على المستضعفين! درس عملي في التعايش يدحض مخططات النظام لزعزعة الأمن والسلم الاجتماعيين ومحاولاته البئيسة لافتعال التوترات واصطناع الصراعات: “تفجير كنيسة الاسكندرية نموذجا” تحريفا لمسار الصراع وشغلا للرأي العام المحلي بقضايا هامشية واستجداءً لتأييد الغرب وسكوته عما يقترف في حق الشعب من انتهاكات جسيمة.