كم من باحث في تاريخ الأمة وتطور عهودها الزمنية والتغيرات الحقيقية التي شهدتها، يرجح عصرا واحدا من عصورها الفائتة، ويصفه بالعصر الزاهي الذي اقتربت المبادئ فيه والقيم والتصورات بالمجريات الواقعية والأحداث الملموسة على الأرض، ذلك العهد هو عصر الخلافة الراشدة الذي قد يعتبر فيصلا بين العهود التي تلته، ومعيارا حقيقيا يقاس به الزمن الآتي أو الغابر البعيد.

وحين يدقق الباحث في السمة الطاغية في ذاك العهد يجد مبدأ المساواة بين الحاكم والرعية ماثلا وحقيقة مؤيدة بشواهد روايات من عاصروها، بحيث تلفي الحاكم يعيش عيشة المستضعفين ويصاحبهم ولا يتوارى عنهم أو يقيم حاجبا بينه وبينهم. فكانت المصاحبة بين الحاكم والمحكوم وثيقة، وبابا حقيقيا للَمس الصورة الواقعية للحاكم ومعرفة مدى قربها من الثوابت والقيم التي من أجلها اختاروه وبايعوه، حيث إن الأمر ميسر عند هؤلاء (الصيارفة والنقاد) الذين يضعون المرء كيفما كان نوعه على بساط التعديل أو التجريح بمقارنة يسيرة بين الثوابت والقيم وسلوك الحاكم واقعيا، ومن ثم كان الفصام الاجتماعي والتناقض السياسي والتفاوت الاقتصادي في هاته الفترة بين (الحاكم الراشدي) وجماهير الأمة شبه منعدم لتساوق السلطة مع نبض الشعب وهمومه وآماله، لذلك كان تنصيب الأمة لحاكمها مؤسسا على قواعد واضحة لخاصة الأمة التي تبايع بيعة خاصة أو عمومها التي تختار الحاكم وتبايعه بيعة عامة.

نعم هم الذين نصبوه، وكانت عندهم الحرية الحقيقية في اختياره، ولم يكونوا أبدا مجبرين على الانصياع أو الخضوع أو التسليم القهري لشخص لم يألفوه ولم يعرفوه فاستولى على الحكم غصبا وقهرا وجلس على كرسي التسيير السياسي وهو محاط بجماجم من أزاحهم عن هدف الاستبداد الذي انتهجه أو الالتصاق بالتسيير القهري السياسي وإن اغتصب إرادة أمة بأكملها في اختيار حاكمها.

وحين كانت الأمة حرة في اختيار حكامها، رافق ذلك مساءلات نقدية للحاكم وإظهار للرؤى المخالفة له، وفسح لمجال الاختلاف على مصراعيه بين التصورات المختلفة، بل إن هناك مدارس علمية وسياسية تكونت في مناخ الحرية الذي كان شائعا في ذلك العهد، كأن تجد أناسا رفاقا في درب الدعوة وإقامة الدولة مختلفين حول مسألة سياسية ما.

وكم انتقد وجهاء القوم تصرفات مروان بن الحكم وسلوكاته في مرحلة خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه حين قال عند حصار عثمان: جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا… ارجعوا إلى منازلكم! فإنا والله ما نحن مغلوبون على ما في أيدينا).

فانتفض الناس على هذا السلوك المنافي للعصر الراشدي وظنها البعض رجوعا للجبرية والقهر السياسي، فقد نقل عن ثمامة بن عدي، أمير صنعاء في عهد عثمان بن عفان، أنه لما بلغه قتل الخليفة طال بكاؤه ثم قال: هذا حين انتزعت خلافة النَّبوة، من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وصارت مُلكاً وجبرية! مَن غلب على شيء أكله).

والمقام لا يسمح لاجتراح مواقف من مضى، لكن الذي يهمنا هاهنا حركية الأمة السياسية عند وجود حرية الاختيار للحاكم، ومدى وضعه على مطارق المحاسبة أو العزل النهائي.

لكن الأمر مختلف حين يسطو واحد على السلطة دون اعتبار لإرادة الأمة، فمثل هذا لن يسومها سوى العسف والخسف والظلم والقهر خاصة إذا آمن أن الدول لا تبنى بالأقوال ولكن بالقهر والاستبداد).

وهذا ما طرأ حقيقة حين عصفت رياح صفين وبروز الخوارج التكفيريين بأزهى مرحلة تاريخية تساوقَ الفعل الواقعي للإنسان بالمبادئ المنغرسة في أعماقه، وانتفى التناقض الحاصل بين السلوك والوجدان…

نعم، عصفت تلك الرياح بعصر واستبدلته بعصر آخر، فحُمل السيف فيها لانتزاع من بقي واقفا أمام عواصف القهر السياسي… وكانت السمة البارزة فيه: وضع الأمة وسيادتها واختياراتها في سرداب التجويف وسلخ روحية الأشياء… كأن تجد نصيحة الحاكم مسربلة بثياب الخوف منه، ومبتعدة عن جوهر المشكل الحقيقي: وهو تنصيبه نفسه دون عناء، أو أن ترى البيعة وما تقتضيه من عقد سياسي واضح بين الحاكم والمحكوم ويكون الاختيار فيه لازما… صورية شكلية خالية من أسسها الحقيقية التي حُددت في عصر الخلافة.

ويا ليت الأمر انحصر في انتفاء شرعية حاكم ومزايلته الكلية للأمة وهمومها وسيادتها في اختياره ليأتي واحد آخر قد لا يشبهه… يا ليت الأمر كان مقتصرا على مفسدة التنصيب والاستيلاء بل إنه تعدى لمفسدة أخطر منها وهي مفسدة التوريث، وهو أن ينصب الحاكم المستولي على سدة الحكم ابنا له أو أحدا من أقاربه بعد وفاته، بحيث لا يحق للأمة اختيار الحاكم دهورا وأزمنة متطاولة بفعل التسلسل القهري النابع من توالي أبناء المستولين على ربقة الحكم.

والسبب النابع من مفسدة التوريث هاته: اعتبار المستولي نسبه مختلفا عن باقي الأنساب، ومن ثم فلا بد أن يُحفظ مع الحكم أبدا، وتنجر أنساب الأمة كلها طائعة طيعة خانعة لهذا النسب المميز بزعمه، ناسيا أن الكفاءة السياسية بعيدة كل البعد عن الأنساب والأحساب والمعايير الزائفة التي يقاس بها البشر.

لذلك حق لشعوب الأرض، والشعب المصري خاصة، مقاومة الاستبداد والتنصيب القهري والتوريت العبثي لأن كل ذلك شُعَب لنهر هادر يطم على الأمم كلها بوابل من التجويع والتمييع والنهب والفساد والفقر والمحسوبية والوصولية والوصول إلى درك التخلف والانحطاط السياسي والأخلاقي والثقافي فضلا عن العمالة البينة للغاصب المحتل… إلى غير ذلك من مفاسد الاستبداد الناخر لصرح الأمة العربية كلها.