درس بليغ

من منا لا يعرف “البوعزيزي”، ذاك الشاب الذي أشعل فتيل الثورة في تونس، والتي هي الأخرى امتدت كرة لهب التهمت في طريقها رأس النظام الطاغوتي في مصر، وأحدثت زلزالا وصلت تردداته إلى أسوار كثير من قصور حكام الجبر فرأوا أن نهايتهم تقترب يوما بعد يوم، وسارت المراهنات على التالي، فالطوفان الجارف لن يتوقف إلا بعد أن يكنس أسس الاستبداد وأركان الجبر كله، والمسألة مسألة وقت ليس إلا، هو مد وجزر، يمتد ليلتهم نظاما، ثم ينكمش مترصدا آخر. هي بضاعة تونسية لاقت رواجا في كل الأقطار العربية لأنها تتقاسم نفس الحال والمآسي، هذه البضاعة تحمل تأشيرة “صنع في تونس” وهي صالحة لأن تتكيف مع طبيعة وجغرافيا أي بلد، إنه مضاد للاستبداد، قاتل لجراثيم الاستكبار.

هكذا إذن تحول البوعزيزي من بيعه الخضر والفواكه على عربته المدفوعة، إلا أكبر مصدر لبضاعة هي اختراع تونسي خالص. بضاعة ترتجف لسماع اسمها قلوب المستكبرين، ويقولون “بعد فوات الأوان”: يا ليته سمح له ببيع خضره وفواكهه أمام كل الدور والقصور، أوَلا يسمح في البلاد ببيع الخمور والمخدرات، بل وتباع كل خيرات البلاد؟ فلِم الحجْر حتى يتحول هؤلاء المواطنون من الدرجة غير المصنفة في قاموس أولياء الأمور، اللامعترف بهم إلى أبطال تحرير، وإلى قنابل موقوتة لا تنفجر إلا في وجه صانعي الطغيان.

هو إذن درس بليغ تلقفته السلطات بمختلف أنواعها وألوانها، لكن بعد فوات الأوان، هكذا نطقت حكمة التاريخ وهكذا قالت الأحداث. لكن يبدو أن هناك من الأنظمة من تلقى الدرس البليغ غير عابئ، لكنه ونظرا لطبيعته المتعالية لم يفهمه جيدا، واكتفى بتدوينه في كراسات مخابراته، لعلها تفك بعضا من شفراته، وهكذا، من الأنظمة من سارعت إلى التأكيد على عدم التوريث، ومنها من بشر بالزيادات في الأجور، ومنها من اشترى الثورة بدارهم ودنانير وزعها على بسطاء الشعوب… هو درس لم يفهم جيدا إذن، لأن “الأمور بخواتيمها” وهم وقفوا عند الجملة الأولى من الدرس ولم يتموا القراءة الجيدة والاستيعاب الجيد له، كما ورد على وزير خارجية مصر قبل سقوط رأس النظام فيه حين صرح بأن مصر في منأى عن أحداث تونس، ولن يكون ما كان فيها، واليوم يصرح كثير من الساسة -ممن يقامرون بمصير بلدانهم- على أن المغرب أو الجزائر أو الأردن غير وارد وقوع أي قليل أو كثير مما وقع في تونس ومصر، هي نفس الأسطوانة التي ندم عليها أصحابها. وكأننا في عالم غير عالم تونس ومصر، وكأننا لا نعرف كما عرفوا الانفراد بالحكم والقمع والعسف والرفس وجلد المستضعفين من أبناء الشعوب، والتضييق عليهم في الأعمال والأرزاق، وكأننا لا نعرف الاستئثار بالسلطة والثروة وإرهاب الدولة و…

انتصر البوعزيزي

بشكل لافت جدا ، وبصورة لم تغب عن السياسي أو النقابي أو المواطن العادي، شاهدنا نحن المغاربة كيف امتلأت شوارع مدننا وأزقتها بعشرات الباعة المتجولين يصولون ويجولون، ويقطعون الطرق ذهابا وإيابا دون حسيب ولا رقيب، وهم قبل مدة قصيرة كانت تصادر سلعهم، وتعجن سلعهم، وتطاردهم شاحنات وسيارات السلطات المحلية في أشبه بالأفلام البوليسية، وينالون أبشع عبارات السب والشتم.

إلى عهد قريب جدا كانوا يشكلون هؤلاء الباعة فرقا “استخبارية” يقفون في مفترقات الطرق يترصدون أعوان السلطة لينذروا من خلفهم، فتراهم يجرون في كل اتجاه، ويتوسلون بكل وسيلة للإفلات برأسماله -وهو كل ما يملكه- من قبضة القائد أو أعوانه حتى لا يضطر إلى النحيب والاستجداء، حتى لا يمرغ كرامته في تراب من لا يعرون إلا ولا ذمة.

ما بالهم اليوم يسيرون في كل الاتجاهات، ويقفون حتى أمام المقاطعات والعمالات و”الكوميسيريات”، ولا من يهشهم أو يحد النظر إليهم. إنها بركة زعيمهم البوعزيزي “ابن الحرفة” الذي صنع لهم حرية لم يكونوا يحلمون بها. انتفض هو في تونس الخضراء، لتتجه رياحه غربا إلى المغرب الأقصى ليستروح الباعة المتجولون عبيرها، ويتلذذوا طعمها، انتصر “بوعزيزي تونس” ومعه الباعة المتجولين في المغرب. وبذكاء خارق خرجوا إلى كل شارع، وكأنهم في “كرنفال” احتفالي، وكيف لا وهو ابن الحرفة العارف بتفاصيل حياتهم، هو شهيدهم، وهو الذي احترق واشتعل لينير لهم الطريق، فهنيئا لهم به.

على الأقل هكذا فهمت السلطة في المغرب درس تونس من معلمه البوعزيزي، فهل تفهم ما كان بعد ذلك؟