أجرت جريدة التجديد في عدد الأربعاء 16 فبراير 2011 حوارا مع ذ.عمر احرشان، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان ومنسق مركز الدراسات والأبحاث للجماعة. قدم فيه تحليلا لدور الحركة الإسلامية في ثورتي تونس ومصر وانعكاساته على مستقبل الأمة الإسلامية عموما وعلى مستقبل الحركات الإسلامية.

فيما يلي نص الحوار

1- ما هو بشكل إجمالي تقديركم لدور الحركة الإسلامية في الثورة التونسية والمصرية؟

مشاركة الحركة الإسلامية في ثورتي تونس ومصر كانت مشرفة، سواء من حيث حجمها أو شكلها أو سقفها. فمن حيث الحجم كان الحضور وازنا إلى جانب باقي مكونات المجتمع، وهذا ساهم في توضيح أن الحركة الإسلامية مكون فقط ضمن مكونات أخرى وهو الشيء الذي كانت تفتقده العديد من الأعمال المشتركة وينعكس سلبا على طبيعة ومستقبل العلاقة بين مختلف الفاعلين في الميدان وتستفيد منه الأنظمة السلطوية والقوى الاستعمارية وحدها. ومن حيث الشكل كانت المشاركة اندماجية ومنضبطة لضوابط العمل المشترك البعيد عن الشعارات الحزبية واللون السياسي الواحد والحرص على الهيمنة وإضفاء طابع وحيد على الحركة ووجهتها، وهذا دليل آخر على نضج وتطور كبيرين في الممارسة السياسية للإسلاميين واستفادتهم من تجارب وأخطاء سابقة واستيعابهم للتحولات والظروف المحلية والإقليمية والدولية المحيطة، ومن حيث السقف السياسي كانت الحركة الإسلامية في مستوى اللحظة حين تخلت عن مطالباتها الجزئية المقتصرة على أحقيتها في التنظيم والمشاركة في مؤسسات رسمية مزورة وبدون سلطة وتبنت المطلب الحقيقي المتمثل في المطالبة بإسقاط هذه النظم الفاسدة والتي يستحيل إصلاحها أو ترقيعها. وأعتقد بأن ما حدث في تونس ومصر سيشكل نقطة تحول في تفكير وعمل العديد من الحركات الإسلامية التي ظلت تراهن على العمل من داخل المؤسسات الرسمية وما يستتبع ذلك من تنازلات ورضى بأنصاف الحلول وإضفاء لمصداقيتها وإطالة عمر أنظمة فاسدة غير مستعدة لإصلاح ذاتها وتغيير طبيعتها السلطوية.

ننتظر أن يعقب هذا الحدث كتابات نقدية وتنظيرية جديدة في الفكر السياسي الإسلامي، وخاصة في ما يرتبط بطرائق التغيير وأساليب التعامل مع نظم فاسدة.

كما أن ما حدث في تونس ومصر يؤكد مرة أخرى استحالة تجاهل دور الإسلاميين وصعوبة إحداث تغيير حقيقي بدون مساهمتهم، وأن دورهم لا يتعدى المشاركة فقط، ولكن عليهم أن يكونوا مبادرين وقاطرة كل حركة تغييرية. وقد شكل الإخوان المسلمون في مصر قوة أساسية وكان دورهم حيوي في استمرار الاعتصام في ميدان التحرير، وغيره من المدن، بسبب دعمهم اللوجستيكي وخبرتهم التنظيمية وشبابهم الذي تصدى، مع غيره من الشباب، للبلطجية.

2- إلى أي حد استطاعت الحركة الإسلامية أن تسقط وهم فزاعة الإسلاميين وأن تشتغل ضمن السقف الوطني؟

يجب أن نتفق ابتداء بأن هذا التخوف ليس سببه دائما أخطاء في تصور أو عمل الإسلاميين، ولكنه في كثير من الأحيان مرتبط بتخوف جهات عديدة على مصالحها من أي صعود محتمل للإسلاميين لأن هذه الجهات تعرف مبادئهم وتتخوف من شعبيتهم ومصداقيتهم، ولذلك ستبقى هذه التخوفات قائمة طالما أن هناك أطرافا خارجية، وخاصة القوى الغربية، تتصرف مع دولنا العربية بمنطق الوصاية وبعقلية استعمارية وحرص على أمن الكيان الصهيوني. وستبقى حاضرة طالما أن هناك أطرافا داخلية ضعيفة وغير قادرة على المنافسة السياسية وتتستر بهذه الفزاعة لإخفاء عجزها. ولذلك مازال مبكرا الإجابة عن هذا السؤال، وستتضح الأمور أكثر في القابل من الأيام، وخاصة قبيل الاستفتاء الدستوري والاستحقاقات الانتخابية.

3- كيف تنظرون إلى مستقبل الإسلاميين في كل من تونس ومصر؟ وهل ترون أن مشاركة الإسلاميين سيكون لها قيمة مضافة أم ترون أن الأنسب في هذه المرحلة أن يحجم الإسلاميون عن المشاركة؟

ربما لا يرتبط الموضوع بحجم المشاركة بقدر كبير، ولكنه يرتبط بالأساس بطبيعة الاجتهاد الذي تتبناه بعض الحركات الإسلامية في فهمها وعرضها للإسلام، حيث لم تستطع غالبية هذه الحركات بلورة اجتهاد إسلامي، برنامج وخطاب ووسائل وعلاقات، ملائم للمتطلبات والتحديات المعاصرة. وأعتقد بأن الحركة الإسلامية لو اجتهدت في هذا الإطار ستربح مساحات كبيرة لتقويض أطروحة “الفزاعة الإسلامية”، وخاصة وسط الرأي العام الغربي أسير الدعاية الصهيونية والاستعمارية.

4- كيف تنظرون إلى مستقبل تونس ومصر في ظل مشاركة الإسلاميين أو عدم المشاركة (حسب ترجيحكم) وأي نموذج يمكن أن تؤول إليه مشاركة الإسلاميين (النموذج التركي أو المغربي)؟

إن أكبر خطأ هو الاستنساخ الحرفي، والنظر إلى تجربة ما زالت في طور البدايات على أنها نموذج يحتدى. إن النموذج التركي يستجيب لبيئة علمانية مقيدة بإرث ماضي سمته الأساسية سيطرة العسكر والتطبيع الرسمي مع الكيان الصهيوني، ولذلك يصعب استنساخها في دول تنص دساتيرها على أنها إسلامية. أما التجربة المغربية، وربما تقصدون تجربة العدالة والتنمية، فلا أعتقد بأنها ناجحة بدليل أن الإخوان المسلمين في مصر، وكانوا سباقين ومنظرين لخيار المشاركة الانتخابية، لم يصلوا بها إلى نتيجة، وانتهى بهم المطاف إلى مقاطعة الانتخابات وانتهاج سبيل آخر هو الثورة على النظام القائم ونجحوا في ذلك خلال وقت قياسي وبشكل لم يكن منتظرا. كما أن هذه التجربة لم تقدم إلى حد الآن مغريات للآخرين كي يقتدوا بها. ولا أحتاج أن أذكر هنا بالاختناق الذي تمر منه هذه التجربة ومحدودية مردوديتها وكلفتها الغالية وسهولة الارتداد عن كل ما يعتبره أصحابها مكاسب.