توالت على الأمة سنوات الاستبداد، ثم سنوات الاحتلال، ومعها سنوات المقاومة والجهاد، ثم لحظات النصر والجلاء العسكري للاحتلال، ليستقر الاستبداد المحلي من جديد بعدما نجح في ترتيبات ماكرة مع المحتل المنهزم في تهريب الانتفاضات والثورات وتحويل مسارها التحرري نحو استبداد مقنن جاثم على صدر هذه الأمة المجيدة… حتى استقر الأمر في الستين سنة التي خلت على الوضع الذي يعيشه العالم العربي المسلم، حاكم ظالم مستبد متفرد يشد على السلطة بيد من حديد ويلهث وراء تجميع ثروات طائلة يكدس معظمها، وهي بملايير الدولارات، في بنوك خارج البلد ولا يبالي بعموم جماهير الوطن المفقرة والمجوّعة والمعطلة والمعدمة من أبسط مقومات العيش الكريم من حيث السكن والتطبيب والتعليم ومختلف الحاجات الأساسية الضرورية للحياة…

وهذا الحاكم محاط ببطانة “سياسية” تزين له أفعاله وتوحي له زخرف التصرفات التي تخدم بقاءه في السلطة وانتفاع المحيطين به لا غير. ومحاط كذلك بملأ اقتصادي مجسد في زمرة من المترفين الفاسدين المفسدين الذين استغنى أغلبهم بطرق غير مشروعة وتقاطعت مصالحهم ونزواتهم الاقتصادية مع المصالح السياسية والاقتصادية أيضا للحاكم. وغالبا ما تجد في هذا الملأ عائلات الحاكم والمقربين منه بالدرجة الأولى إضافة إلى بعض المنبطحين الذين باعوا ذممهم وفسح لهم الحاكم المجال ليلجوا مداره الخاص ويدخلوا عالم اللهث وراء جمع الثروة…

وتتعدد الدوائر المحيطة بهذه “النواة الصلبة” للاستبداد، وتتسع، وغايتها الأساس إحكام السيطرة على الشعب وتسخير السلطة والثروة لخدمة نزوات المستبد والحفاظ على نظامه…

وهذه سنن الجور في الأرض عندما يغيب العدل في الحكم وتغيب الشورى في تدبيره، وتغييب الإرادة الحرة في الأمة التي تواجه الظلم وتكنس الظالمين والمستبدين.

وقد ذكر القرآن الكريم قواعد بنية الاستبداد هذه في آيات مفصلات كثيرة عند ذكر قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع المكذبين من أقوامهم (في سور: الأعراف وهود والقصص والأنبياء…). قال تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (القصص :8). وقال أيضا وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً.

نعم لقد طغت قرية الظلم والاستبداد وتجبرت حتى ظن أصحابها ما لهم من مزحزح عن مناصبهم. فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون عروشهم بأيديهم وأيدي الشعوب فاعتبروا يا أحرار العالم.

إن الخوف الذي بثه الطغاة في قلوب الشعوب لسنوات من الزمن قد انتقل إلى قلوب هؤلاء المستبدين فأصبح الهلع يطاردهم ليل نهار وساعة بساعة بعد ما بدأ يرتفع هذا الخوف عن الشعوب التي أذن الله أن تنتفض وتقوم في وجه الحاكم المستبد.

إن سقوط فرعون مصر يمثل مرحلة جديدة في حياة هذه الأمة بما تمثله مصر من مكانة وثقل في العالم العربي والإسلامي. وبما جرت مواقف نظامها المتهاوي على الأمة من ذل وهوان وانبطاح أمام أعداء الأمة ومن خيانة لقضاياها المصيرية وفي قلبها قضية فلسطين.

لقد سقط الطاغية بالتحام الشعب المصري بكل مكوناته وبتضامنه وبوحدة شعاراته وبإصراره المتواصل على انتزاع حقه رغم كل التضحيات، وفي ذلك عبرة لكل القوى الإسلامية والوطنية في العالم العربي.

إن فجرا جديدا قد سطع على هذه الأمة سطع من تونس ومن مصر وأول الغيث قطر ثم ينهمر.

نسأل الله أن يجعلها نهاية لمرحلة الجبر الذي جثم على صدر هذه الأمة زمانا، وأن يمن سبحانه بفتح شامل ترتفع فيه راية الحق والحرية والعدل والكرامة خفاقة لا تنحني أبدا وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ ٱللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ.