كشفت الهبتان الشعبيتان في تونس ومصر عن جملة من الحقائق المتعلقة بالسياسة الدولية في البلدان العربية، ومن هذه الحقائق علاقة الحكام بالاستكبار العالمي الذي تقوده الصهيو أمريكية، ففي خضم الأحداث اكتشفت الشعوب أن الحكام مجرد دمى بين أيدي الغرب وأجهزة تنفيذ لمخططاته واستراتيجياته، فحكامنا صنيعة القوى الكبرى في مراحل تاريخية تدعمهم بالمال والسلطة من أجل حماية مصالحهم داخل بلداننا، فبالعودة إلى ميدان التحرير نرى كيف تتدخل الولايات المتحدة الأمريكية في الشؤون الداخلية المصرية بشكل فج، فبعد الطوفان الشعبي وخروج الملايين من المصريين للشوارع في انتفاضة سلمية ميدانية حضارية سلمية، تناسلت التصريحات والتعليقات والمطالبات من أكثر من مسؤول أمريكي في تدخل سافر في السياسة الداخلية .

والواضح أن هذا الحراك الدولي تقوده “إسرائيل” باعتبارها الخاسر الأكبر من الهبة المصرية، لتثبيت أركان النظام المصري ولو كلف الأمر إملاء خطط واستراتيجيات موغلة في إراقة الدماء وإذلال الشعب المصري، ومن ذلك ما عاينه العالم أجمع من الهجوم الوحشي البربري الذي قادته قوافل “البلطجيين” على الخيول والجمال وما سبق ذلك من هجوم بالقنابل والأسلحة البيضاء والمولوتوف.

فالمتتبع لما يقع في ميدان التحرير وباقي محافظات مصر من قتل وسفك للدماء على أيدي زبانية النظام الفرعوني المصري، ضد شباب منتفض ضد الظلم والطغيان الذي عمر لعقود، يكشف حجم المؤامرة الدولية رغم التصريحات المغلفة التي تظهر بين الفينة والأخرى للرئيس الأمريكي أو للأمين العام للأمم المتحدة والداعية إلى الانتقال السلمي للسلطة ووقف أعمال العنف؟؟، والحقيقة أن المنتظم الدولي في حرج كبير أمام رغبة “إسرائيل” وضغط اللوبي الصهيوني في البيت الأبيض من أجل حماية نظام مبارك الذي يعني لها حماية “كامب ديفيد” ومنه مصالح “إسرائيل” وبين ما يوجبه القانون الدولي ويفرضه من التزامات على الدول اتجاه شعوبها.

أتصور لو أن الذي يقع اليوم في ميدان التحرير حصل في دولة أخرى كسوريا مثلا لقامت الأمم المتحدة تحت ضغط الكبار لاستصدار قرارات أممية في حق النظام السياسي ونصبت المحكمة الدولية وحركت الآليات الدولية لحماية حقوق الإنسان من أجل الإطاحة بذلك النظام، لكن لما تعلق الأمر بنظام حسني مبارك وهو الحليف الاستراتيجي ل”إسرائيل” فإن أي تدخل أممي يجب أن يكون في اتجاه الحفاظ على المصالح الكبرى لإسرائيل في المنطقة ولذلك فإن الغرب لا يألوا جهدا في ترسيم الخطط تلوى الأخرى لضمان ذلك ومنه إثارة النقاشات البيزنطية حول الفراغ الدستوري الذي سيخلفه تنحي مبارك وتضخيم هذا النقاش واختزال المطالب في إصلاحات دستورية وتقزيم الثورة في تلك المطالب، في حين يكون جواب الجماهير الصامدة في ميدان التحرير التأكيد على المطلب الاستراتيجي للشعب والمتمثل في نشدان الحرية، التي لا يراها دون رحيل النظام وعلى رأسه مبارك. الشيء الذي ينذر أمريكا و”إسرائيل” بظهور شرق أوسط كبير وجديد نقيض لما كان يحلم به بوش، لاسيما وكل المعطيات الميدانية تدعم الانتصار لخط المقاومة الميدانية والأهلية.