الفزّاعة لغة واصطلاحا

الفزّاعة لغة من فزِع أي خاف. وهي اسم آلة بما هي أداة ووسيلة للفزع، وهي كذلك تفيد المبالغة أي شدة الإفزاع والتخويف. وفي الاصطلاح الفزاعة كل ما يبعث على الهلع ويحقق التخويف من خطر وهمي. وفي ثقافتنا الشعبية صور كثيرة للفزّاعات، ومن ذلك تخويف الصغار من “الغول” أو “بوعّـو” الذي قد يلتهم الصغار إن هم لم يستجيبوا لأوامر الكبار، وأصروا على الخروج في الظلام مثلا أو عدم النوم في وقت معين. كذلك لجوء المزارعين حماية للمحاصيل من الطيور لنصب تماثيل بشرية عبارة عن ملابس قديمة محشوة بالتبن في وضعية معينة في الحقول. غير أن ذكاء الطيور سرعان ما يكتشف الحقيقة فتتحول الفزّاعات لمحطة استراحة تتجمع فوقها الطيور بعدما ما كانت تهابها.

لذلك يعتبر اكتشاف الشعبين التونسي والمصري المنتفضين وهن أنظمة وورقيتها، أكبر هدية تقدم لشعوب العالم الراكنة لأنظمة سامتها أسوء ألوان المهانة والمذلة لعقود، دون أن تهتدي كما تهتدي الطيور أن ما يسمى قبضة حديدية لا يعدو أن يكون فزّاعة.

الأجندة الخارجية: المفهوم والدلالـة

الأجندة ترجمة حرفية للمذكرة باللغة الفرنسية “agenda”، وتعني اصطلاحا المشروع أو المخطط السياسي أو الاقتصادي، وهذا معناه أن من يرتبط أو ينخرط في مشروع سياسي أو اقتصادي أجنبي مخدوش في وطنيته ومتهم في ولائه لبلده. بمعنى أوضح، هو خائن لوطنه ومتآمر على استقراره ووحدته وسيادته.

وبناءً على ما سبق، فالنظام السياسي العربي صمم لخدمة أجندة الاستكبار العالمي، فمنذ فالاستقلال الصوري ـ ورحم الله الشهيد القائد عبد الكريم الخطابي الذي سماه:احتقلالا ـ في منتصف القرن الماضي كرس تبعية البلدان العربية للاستعمار ورهن قرارها السياسي ومقدراتها الاقتصادية وثرواتها المختلفة بترولا وغازا وفوسفاطا وغيرها مقابل استفراد بالحكم. فصودرت الحقوق والحريات، واستُحوِذَ على الثروات، وصنف حكام العرب في مصاف أثرياء العالم؛ وبالمقابل فُقرت الشعوب وجُهّلت الأجيال، وقُتلت في النفوس الكبرياء، وبُغِّض للشعوب الولاءُ والانتماءُ للوطن.

أليس النظام السياسي العربي هو من رسخ الدويلة القطرية فغدت الوحدة العربية سياسيا واقتصاديا وعسكريا سرابا تمكينا للكيان الصهيوني وتفريطا في فلسطين أرضا وشعبا ومقدساتٍ؟

أليس النظام السياسي العربي هو من يراهن على دعم الحلفاء من المستكبرين وغض الطرف عما يقترفون من خروقات جسيمة في حق الشعوب العربية؟ فلا عجب إذا تواترت الشهادات لرموز أعداء الأمة تنوه بخدمات الحكام العرب لمشاريعهم الهيمنية وعمق صداقتهم للحلفاء الامبرياليين. وكما يقال:”الحق ما قالته الأعداء”.

إذن مفارقة عجيبة أن يسارع من راهن في استفراده بالحكم واستحواذه على ثروة البلد على خدمة المشروع الاستكباري، ليتهم خصومه السياسيين وجماهير الثائرين المطالبين بالتغيير والإصلاح أنهم منخرطون في أجندة أجنبية، تخويفا للشرائح الشعبية من عواقب مساندة المطالبة بالتغيير، والتشكيك في صدقية من يرابطون في الميادين العامة يصلون الليل بالنهار مبشرين بغد باسم لاحت تباشير فجره، تعانق فيه الشعوب عزة وكرامة مفتقدة منذ عقود بل منذ قرون.

فزّاعـة الفوضى

نستعين بالقاموس الفرعوني الذي به سِيمَ الشعبُ سوء العذاب تقتيلا للأبناء واستحياءً للبنات. نظام سياسي بلغ ذروة الطغيان لما استخف شعبه ونصب نفسه عقلا مفكرا لهم وضميرا موجها لسلوكهم ومقررا عوضهم في شؤونهم:”ما أريكم إلا ما أرى”. مضمون تفننت أنظمة جبرية في “تقنينه”، من خلال دساتير فصلت لتخدم الاستبداد و”تؤله” الحاكم، ليكون الضامن بشخصه لاستقرار البلد وحماية أمنه المعنوي قبل المادي. وكل تفكير ـ مجرد تفكير ـ في إعفائه أو إبعاده يهدد استقرار البلد وأمنه لخطر داهم يأتي على الأخضر قبل اليابس، وخَيّر الشعبَ بين شخصه والفوضى. تُرى ماذا كان سيقع لو أن الحاكم ـ علما أن متوسط أعمار حكام العرب يفوق السبعين سنة ـ توفاه الله تعالى كما يتوفى جميع الخلائق؟ أين مؤسسات الدولة؟ أم أن الحقيقة الضمنية هي أن البلد لا تحكمه أجهزة ومؤسسات تضبط صلاحيتَها القوانينُ بقدر ما يحكمه شخص وزع المهام على الملإ المحيط به أو الذي سيّج به شخصه على قاعدة المصالح والمنافع المتبادلة؟

البِدارَ البِدارَ قبل أن يَفِيضَ التَّنُّورُ

ألا إن فجر التغيير قد بزغ، وعلى من يهمهم الأمر في البلاد العربية أن يعتبروا ممن فهم مطالب الشعب متأخرا فأذعن وهرب، أو ممن ما يزال يكابر ويراهن على الوقت بدل الضائع ـ بلغة لعبة كرة القدم ـ حفاظا على أنفة وهمية داستها الملايين من الشعب بعبارة:”ارحل”، ليعلنوها توبة صريحة ويبادروا لتدشين مسلسل الإصلاح دون التفاف أو مراوغة. فالشعوب استفاقت ولن ترضى بأنصاف الحلول، ولينتبه من تسول له نفسه أو “توحي” له تقارير مخابراته الحَوْلـى ـ من الحَوَل ـ أنه في مأمن أو تنصحه باعتلاء قمة جبل مشروع تنموي وهمي أو إصلاح صوري استعصاما من طوفان: “الشعب يريد إسقاط النظام”، لأنه إذا فار التَّنُّورُ “الفايس البوكي” فلا رادّ يومها لأمر الله تعالى.