أُصبنا جميعا ونحن نتابع خطاب حسني مبارك الأخير بالصداع والدوار والحسرة والمرارة وأشياء أخرى يصعب التعبير عنها، كان يبدو المسكين وكأنه خرج للتو من كهف مظلم لا يعرف ماذا حصل وما الذي يجري، الرجل كان في غيبوبة تامة، البئيس لا يعلم بأن سقف الانتظارات كان كبيرا من ذلك الخطاب، فالعالم بأسره كان ينتظر أن يعلن تَنَحِّيه أو استقالته، فإذا بالخطاب يأتي مخيبا للآمال مما أجج الغضب ودفع بالاحتجاجات أكثر تجاه الرحيل، وها نحن نشهد انتفاضة عارمة في جميع المحافظات وليس في القاهرة والإسكندرية فحسب.

سمعنا وقرأنا كثيرا عن عناد هذا الطاغية المتكبر، لكن لم نتوقع أن يكون بكل هذا الغباء، فهو يذبح نفسه بنفسه، ظن أنه بخطاباته التي يُذَكِّرنا فيها بإنجازاته سيثير الشفقة والتعاطف، ولم يَدْرِ الرجل أن الأعمال بالخواتيم، وأن ثلاثين سنة من النهب والسلب والظلم والاستبداد والقمع والفساد ذهبت بتلك الإنجازات التي يبدو أنها كانت من ورق، يكفيك يا مبارك حصار غزة وإغلاق معبر رفح أيام كان الرصاص والمدافع والصواريخ تُصَبُّ صبا فوق شعبها، يكفيك يا مبارك حصارك لغزة لمنع تهريب السلاح للمقاومة، وتدريبك لقوات الأمن الفلسطينية لقمع المقاومين البواسل، يكفيك يا مبارك أنْ جعلت التطبيع مع الكيان الصهيوني من ثوابتك حتى اعتبرت أن كرامة مصر من كرامة “إسرائيل”!!! يكفيك يا مبارك تصديرك للغاز الطبيعي بثمن تفضيلي للكيان الصهيوني وشعبك يعاني الفقر والجوع والحاجة، يكفيك يا مبارك جدار العار العازل، يكفيك يا مبارك إفقارك لشعبك المنهوك، يكفيك يا مبارك ثروتك الهائلة التي حصَّلتها أنت وعائلتك وزبانيتك ومعاونيك على حساب الشعب وقُوتِه، يكفيك حماية الفاسدين والمفسدين، يكفيك السطو على الحكم لثلاثين سنة عبر استفتاءات وانتخابات صورية مقززة، يكفيك عمليات الاختطاف والتعذيب في مخافر الشرطة والأقبية السرية، يكفيك إثارة الفرقة والتوتر والاحتقان وزرع الضغينة بين المسلمين والأقباط نهجا لسياسة “فرق تسد”، يكفيك خالد سعيد، يكفيك شهداء انتفاضة 25 يناير المجيدة، بل يكفيك التعذيب الممنهج لشعبك برغبتك المريضة في البقاء في السلطة.

يكفيك يا مبارك واحدة من هذه الجرائم التي قمت بها في حال السلم لتضرب بعرض الحائط كل “بطولاتك” التي تتباهى بأنك قمت بها في حال الحرب، مع أن تاريخ تلك الحقبة يجب إعادة دراسته وكتابته ليتميز الخبيث من الطيب.

لكن ورغم أن هذا الخطاب جاء مخيبا للآمال فبقليل من المقارنة سنجد أنه شبيه بالخطاب الشهير لابن علي المخلوع والذي رحل بعده بثلاثٍ وعشرين ساعة بالضبط، لذلك فلا شك عندي في أنَّ أوان الرحيل قد حان شريطة أن يظل الجيش على حياده.

ما بعد الرحيل.

إذا كانت الحرية والعدالة والديمقراطية لا يمكن أن تخرج من رحم مؤسسات وأشخاص ودساتير طبَعَها الاستبداد، فإن سيناريو ما بعد الرحيل والذي يمكن أن يقطع العربة عن قاطرة النظام فهو تشكيل حكومة مؤقتة ائتلافية تضم كل ألوان الطيف السياسي وبدون رموز من النظام البائد لإدارة فترة انتقالية، يتم خلالها انتخاب جمعية تأسيسية بإشراف قضائي لصياغة دستور جديد، وتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية حرة ونزيهة، أما بقاء سليمان أو غيره فذلك يعني ذهاب الشخص وبقاء النظام.

وعموما فإننا على يقين بأنها صفحات جديدة تكتب، وتاريخ مُشرق يُصنع سيؤدي بكل تأكيد إلى تغيير موازين القوى في المنطقة والعالم.