يقول الله عز وجل في كتابه العزيز: ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ، وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آَلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ. صدق الله العظيم.

نعيش اليوم أوج التدافع بين إرادة الشعوب المسلمة القائمة بعد طول استعداد وإعداد لهذا اليوم الحاسم، وإرادة المستبدين الطواغيت بعد بلوغها درجة متقدمة من الْيُبْسِ فحان أوان حصادها. هو أمر الله ذي القوة المتين يتنزل على أيدي القائمين من عباده ليكنس الظالمين المتألهين، فالحمد لله على منه وكرمه وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ. آمنا وصدقنا، ومنه الرجاء سبحانه أن يشمل بمنه وكرمه كل المستضعفين من خلقه.

إنها النهاية المقدرة المحتومة للصراع الطاحن بين إرادة الشعوب المغتصبة وإرادة الأنظمة المستبدة التي جثمت طويلا على رقابنا ونهبت خيراتنا وأصبحنا عندها سواء مع ما تمتلكه وتتوارثه أبا عن جد.

أتى أمر الله والكلمة اليوم لإرادة الشعوب، فتم الحسم في تونس ومصر والبقية تأتي بإذن الله. وكل الرجاء أن يوفقوا هناك في إتمام ما بدؤوه، أولا بتحصين ثوراتهم من المتربصين، وثانيا بحسن إعمار ما يخلفه الاستبداد وراءه من خراب في كل المجالات.

وعبق الحرية والانعتاق يجول اليوم في أجواء كل الأقطار المسلمة يخالج أنفاس الشعوب فتمتلئ بهجة وأملا في أن تصنع مثيله، وهو على المستبدين شؤم وضنك.

وليت المستبدين في بلادنا يفهمون الدرس ويبادرون إلى رد ما غصبوا من إرادة وثروات الشعب ليوفروا عليه وعلى أنفسهم، لكن هيهات وقد رأينا فرعون مصر وهو يغرق، بقي يردد “أنا ربكم الأعلى” حتى جرفه الطوفان وبئس المصير.

كنت كتبت مقالا أفند فيه دعوى استثناء المغرب مما يجري في محيطه، كما كتب كثيرون في نفس المنحى انطلاقا من رغبة صادقة في أن يحصل تغيير حقيقي بأقل كلفة. وأعود هنا إلى نفس الموضوع بشيء من التفصيل بعدما أيقنت ألا حياة لمن ننادي، وهل حياة لمن جعلتهم سكرة الاستبداد يستمرون في الإصرار على تصوير اللهب الذي يحيط بنا من كل جانب، ويلتهب ويفور تحت أقدامنا منذ زمن بعيد على أنه مجرد سراب أو هي ربما شهب احتفالية بطلعاتهم البهية.

يصرون على أن المغرب في استقرار تام والنظام يحظى بالإجماع المطلق، وأن ليس هناك أي استبداد لأن النظام يستمد مشروعيته من إرادة شعبية تتجسد في البيعة والديمقراطية، والشعب يرفل في ما أفاء عليه الحاكمون من تطور ونماء وازدهار.

1/ في دعوى المشروعية

الحكم الذي لا يستمد مشروعيته من إرادة الشعب هو استبداد بلا مواربة.

يقول الحاكمون في المغرب إن إرادة الشعب تتجسد في آليتي البيعة والانتخابات، وقد آن الأوان لمساءلة صريحة لهذا الادعاء بناء على حاضر المغرب وتاريخه.

لننظر أولا في آلية البيعة، وأكتفي هنا بجانبها القانوني على أن نرجع لبعدها الشرعي في مناسبة أخرى كي نعرف متى وكيف تمت هذه البيعة التي يُدعَى أنها في عنق كل مغربي ومن خلعها فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه.

فالبيعة عقد مشروط بين الحكم والشعب، عقد يشترط فيه كل طرف على الآخر مع احتفاظ كل منهما بحق نقض هذا العقد متى ما أخل أحدهما بمضمونه. فهل هي عندنا على هذا النحو؟

الشق الثاني من عقد البيعة، وهو حق الاستدراك والنقد والنقض، غير موجود أصلا، وإمعانا في إعدامه نص الدستور على حرمته وتجريمه.

أما الشق الأول فيوجد منه الشكل فقط الذي يجعل منه بروتوكولا مناسباتيا لا مكان فيه لشرط ولا جواب، أي هو عقد من جهة واحدة، فهو أقرب ما يكون إلى عقد إذعان أو قل هو كذلك، ناهيك عن أنه يتم مع جهات لا تمثل إلا نفسها ولم يفوضها أحد.

فأين إرادة الشعب هنا؟

وهكذا كان الأمر في كل عهود المخزن، وما يزال على نفس الشاكلة.

وما يزال القمع والتكميم والحصار هو مصير كل من تطاول على مجرد إبداء رأي في طبيعة النظام أو انتقاد لسياساته.

أما مؤسسات النظام الأخرى فيبررون مشروعيتها بالانتخابات، وهذا زيف لم نعد نحتاج إلى كبير عناء لكشفه، فالكل أصبح مجمعا على عنوان واحد للانتخابات المغربية وهو “انتخابات بلا ناخبين” تفرز مؤسسات لا صلة لها بالشعب لأنها على عكس إرادته.

2/ في دعوى الإجماع والاستقرار السياسي

مما يرهبوننا به اليوم أن النظام المغربي بشكله الحالي موغل في التاريخ، وهو يحظى بالإجماع على مر قرون من الزمن. وبالتالي فلا يجوز، وعند بعضهم خيانة عظمى، الجدال في بنية النظام أو تحميله مسؤولية ما يعيشه المغرب من أزمات. ويخيروننا بين أن نسلم بهذا الواقع أو هي الفتنة الداهمة زاعمين أن النظام هو من حفظ للمغرب الاستقرار وجنبه الاضطرابات والانقسام.

وكل هذا بهتان الإصرار عليه هو استمرار في احتقار ذكاء شعب أمامه كتاب العالم مفتوح على مصراعيه، وضمنه كتاب مغربنا الذي انكشفت عنه طبقات هائلة من الحجب التي كان يضربها مؤرخو البلاط والإعلام الرسمي الذي استفرد بنا زمانا.

لم يعد خافيا على أحد اليوم عن أي استقرار وإجماع يتحدثون. فبتصفح التاريخ المخزني، قديمه وحديثه، نجد أنه لم يستتب الأمر لحاكم إلا على أسنة السيوف وفوهات البنادق وردم المعارضين في غياهب السجون. وفصول أخرى هامة منه تطاحن في بيت الحكم على السلطنة .

ويكفينا تاريخنا الحديث، فمباشرة بعد “الاحتقلال” دخل المخزن في دوامة قتال شرس أولا مع جيش التحرير من أجل إخضاعه للقبول بشروط “الاحتقلال” وبهيمنة القصر على الحكم، وهذا استغرق وقتا طويلا، وبعده قاد حربا حارقة على المعارضة اليسارية التي كانت تعارضه في جوهر الحكم حينا بالعمل المسلح وحينا بالعمل السلمي. وفي هذا الخضم تعرض النظام لمحاولتين انقلابيتين للجيش. وجرت انتفاضات شعبية كبيرة في عدة مدن أبرزها انتفاضة 1981 بالدار البيضاء، وانتفاضة 1984 بالناظور والحسيمة وتطوان، وانتفاضة 1990 بفاس وطنجة.

وبعد ذلك وحتى اليوم تجري حرب شاملة على الجانب الأكبر من الإسلاميين، وجانب من اليسار الذي لم يقبل الاحتواء، وكل صاحب رأي حر من كتاب وصحافيين وحقوقيين، والقمع الشديد لكل حركة احتجاجية اجتماعية مثلما حدث في الأربع سنوات الأخيرة في كل من صفرو وإيفني والحسيمة وبوعرفة والخنيفرة وكثير من القرى الجبلية والمناطق الجنوبية.

فأي استقرار هذا؟

كما أن المغرب الحديث لم يعرف غير دستور ممنوح واحد، مع بعض التعديلات الهامشية، يشرع للحكم الفردي المطلق، ويكره الشعب على التصويت عليه بكل أشكال الإكراه المرافقة للمخزن، وهو نفسه السائد اليوم، ولا تبدو أدنى رغبة في تغييره في الجوهر، عدا الحديث عن تعديلات جزئية.

فعن أي إجماع يتحدثون؟

3/ في دعوى الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي

الحالة الاقتصادية وانعكاساتها الاجتماعية إلى حدود 1997 لا جدال في كارثيتها، وقد اعترف الحسن الثاني حينها بأن المغرب وصل حد السكتة القلبية، وهو أبلغ وصف لما ارتكبه المخزن في حق الشعب المغربي بفعل احتكاره لجل مصادر الثروة وعائداتها حتى وصل حال المغاربة إلى أبأس درجات الفقر في مقابل اتساع ثروات المخزن ومحيطه.

النقاش حول ما بعد “حكومة التناوب”، حيث إن جزءا من اليسار الذي كان يفضح حالة التدهور أصبح يصور نفس الحالة على أنها النعيم المقيم.

وما دام أن أبلغ ما يصور الحالة الاقتصادية والاجتماعية هي الأرقام والمؤشرات، فسأترك لها الكلمة لتحدثنا عن حال المواطن المغربي في ظل العهد الجديد.

حسب تقرير البنك الدولي لسنة 2009، أي بعد 9 سنوات طويلة من العهد الجديد بكل وعوده وشعاراته ومبادراته، نجد أن 15% من المغاربة أي حوالي 5 ملايين يعيشون الفقر الشديد، و25% أي حوالي 8 ملايين يوجدون على عتبة الفقر، و40% أي حوالي 13 مليون يجدون متاعب في تحصيل حياة مستقرة. ولكم حساب الباقي.

ونقرأ هذا أيضا في مؤشر التنمية البشرية، حيث نجد المغرب سنة 1998 كان في الرتبة 123، ثم تراجع إلى الرتبة 126 سنة 2008، ثم اندحر إلى الرتبة 130 سنة 2009.

وتظهر الكارثة الاقتصادية أيضا في الارتفاع الخطير والمضطرد في حجم المديونية الخارجية، فقد قال تقرير رسمي صادر عن مديرية الخزينة والمالية الخارجية إن جاري المديونية العمومية الخارجية بلغ خلال الفصل الثالث من 2010 ما مجموعه 162.685 مليار درهم (أي19.8 مليار دولار) مقابل 152.2 مليار درهم (19.37 مليار دولار) المسجلة في نهاية 2009. طبعا الكل يعرف أنها بقدر ارتفاع المديونية بقدر اشتداد الخناق على رقبة كل مواطن مغربي وانعكاسها المباشر على كل مجالاته المعيشية.

وكل هذا نتيجة مباشرة لما يسمى باقتصاد الريع، وهو في الحقيقة وصف مهذب جدا لجرم خطير في حق شعب بأكمله، الوصف الأدق أنه النهب المنظم من قبل أركان النظام لثروات الشعب المغربي وإصرار على تفقيره وتجويعه.

فأي وصف يسعف في حالة كهذه؟ وكيفما كان هذا الوصف فهو مقبول إلا المكابرة والعناد فهما أكبر مهدد للاستقرار المزعوم.