من منا لم يصطدم بهذه المقولة تتردد بشكل أو بآخر على لسان أحدهم وهو يحاول جاهدا تبرير ضرورة الاستبداد والتسلط وأن لا مقابل له أو بديلا عنه سوى الفوضى وانعدام الأمن. ولعل هذا الاعتقاد الذي اجتهدت الأنظمة العربية المستبدة في ترسيخه لمدة طويلة من الزمن هو الذي شكل ولا يزال عائقا أمام بروز أية محاولة لتعبئة الشعوب “الآمنة” حسب اعتقادها من أجل الانخراط في ثورة ضد الاستبداد رغم ما تعانيه من تدهور معيشي واجتماعي.

والغريب في الأمر أننا لازلنا نلاحظ بروز هذه العقلية حتى مع ما حققته انتفاضة الشعب التونسي وما يحققه لحد الآن التحرك الشعبي في مصر، حيث يطلع علينا بين الفينة والأخرى من يحاول الدفاع عن النظام المصري أو غيره من الأنظمة الاستبدادية، لا لشيء إلا لأنها تقي البلاد والعباد من مغبة السقوط في حالة النموذج العراقي مثلا، حيث اختلط الحابل بالنابل وأصبح البلد العزيز يعيش فتنة لا يعلم منتهاها إلا الله عز وجل.

إن هذا البلد المسلم الذي ظل لسنوات تحت القبضة “الصدّامية” القومية يشكل في خيال العامة من الناس، بل حتى النخبة منهم، في بعض الأحيان النموذج الصارخ لضرورة تشبث الشعوب بالحاكم المتسلط، حتى وإن بلغ أقصى درجات الطغيان والاستكبار شريطة أن يضمن الحماية الخارجية من الاعتداء والأمن الداخلي من الفتن.

غير أن التأمل العميق في هذه الفكرة يظهر خطأها الفادح، وأنها لا تعدو أن تكون أكثر من مخدر بمجرد ما تستفيق منه تشعر أنك كنت في أشد حالات الغبن. ولذالك قال الكواكبي في “طبائع الاستبداد”: ومن طبائع الاستبداد أنَّه لا يظهر فيه أثرُ فقر الأمة ظهوراً بياناً إلا فجأةً قُرَيب قضاء الاستبداد نحبه).

إن أغلب الاختلالات الاجتماعية، وعلى رأسها آفة الفقر، تجد الأرض الخصبة لانتشارها والمحافظة عليها حينما يعم الفساد، ولا يجد الأخير له مجالا إلا في ظل السلطة المطلقة. كما قال اللورد البريطاني أكتون: السلطة تفسد، والسلطة المطلقة تفسد فسادا مطلقا).

لذلك يبقى من الخطأ الحديث عن استقرار أمني في ظل غياب العدل السياسي والاجتماعي، حتى وإن خدعتنا للحظة مظاهر الاستقرار الموهوم أو تبين لنا للحظات أن الثمرة المرجوة من وراء الاحتجاج على الظلم لا تستحق المخاطرة بالأمن المزعوم.

ويبقى من أبلغ التعبيرات السلوكية المضادة لهذه النظرية والمظهرة أن الأمن والاستقرار لا يمكن أن يترسخ إلا في ظل العدل الشامل لكافة الميادين هو نموذج الخليفة الثاني الفاروق عمر بن الخطاب، حيث ورد في القصة الشهيرة – التي نوردها رغم اختلاف الآراء حول صحتها إلا أنها تقرر حقيقة حاصلة حيث لا أحد يستطيع أن يجادل في عدل الفاروق إلا معاند مكابر-: يروى أن قيصر ملك الرّوم أرسل إلى الخليفة عمر رسولا لينظر في أحواله وأحوال رعيّته، ولمّا وصل رسول القيصر إلي المدينة المنوّرة، سأل أهلها أين ملككم؟ فقالوا ليس لنا ملك بل أمير وقد خرج إلى ظهر المدينة. فخرج الرّسول في طلب الأمير فرآه نائما على الأرض دون حراسة فتعجب من أمر عمر وقال: “رجل لا يقر للملوك قرار من هيبته يكون هذا حاله، ولكنك يا عمر عدلت فأمنت فنمت”).

والحقيقة أن مفهوم الأمن والاستقرار يتعدى المعنى الضيق الذي يحصره في مجرد السلامة البدنية إلى المعنى الحقيقي للعيش الكريم المتمثل في الحرية والكرامة الإنسانية التي بمقتضاها يملك الإنسان -في أدنى الحدود- القدرة على اختيار حكامه ومحاسبتهم عند التقصير. فأي معنى لسلامة بدنية في ظل حرية مسلوبة وكرامة منتهكة. وكما قيل: ما أليق بالأسير في أرض أن يتحول عنها إلى حيث يملك حريته فإن الكلب الطليق خير حياة من الأسد المربوط).

ولا يتحقق الأمن بهذا المعنى إلا إن وجد البيئة الصالحة لنشوئه وهي انتفاء الظلم وحضور الإيمان والعمل الصالح.

قال تعالى: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون، وقال عز من قائل: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلكم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون.

وفي الأخير تجدر الإشارة أن تجفيف منابع الاستبداد مع ضمان الأمن لابد له من تحقيق شرطيين أساسيين:

أولا: وعي الأمة بضرورة التغيير: وأقتبس هنا قولة للكواكبي رحمه الله عبر فيها عن هذا الأمر أبلغ تعبير حين قال: ولهذا؛ قرَّر الحكماء أنَّ الحرية التي تنفع الأمَّة هي التي تحصل عليها بعد الاستعداد لقبولها، وأمَّا التي تحصل على أثر ثورةٍ حمقاء فقلّما تفيد شيئاً؛ لأنَّ الثورة -غالباً- تكتفي بقطع شجرة الاستبداد ولا تقتلع جذورها، فلا تلبث أن تنبت وتنمو وتعود أقوى مما كانت أولاً ).

ثانيا: التغيير لا يكون بالعنف: حتى لا تحصل الفتنة فيضطر إلى تغيير المستبد بآخر أقوى شوكة منه ويقفز المنافقون على الغنائم وتضيع التضحيات.