إلى عهد قريب، كان البعض ممن تقاذفتهم الأحداث إلى شاطئ الإذعان، يسوقون بسخاء بضاعة حربائية اسمها الواقعية، محاولين بذلك دفع الشعوب المغلوب على أمرها إلى أحضان بيت الطاعة فهل سيبقى هذا البعض وفيا لواقعيته بعدما تظافرت الوقائع جميعها لتختزل في شعار واحد: الشعب يريد إسقاط النظام).

الشمولية مكمن الداء

سميها ما شئت، استبدادا أو ديكتاتورية أو إرادة فردية أو….. المهم أنها تتسم في مجملها بالشمول في تدبير الحكم والاستعلاء في الخطاب والممارسة والاستخفاف في التعاطي مع هموم الشعوب وآمالها.

بكل معنى الشمولية تسيطر الأنظمة العربية على كل مناحي الحياة، وباسم الشرعيات كلها تنصب نفسها فوق الجميع، فهي ضامن الاستقرار وممثل السيادة والعزة والوحدة. وقد تطور هذا الرهان إلى الشمولية من مجرد حكم تقليدي متجاوز إلى نظام سياسي له رواده ومفكروه وإعلاميوه ووسطاؤه.

فاجتهاد هذه النخبة أو الحاشية ساعد الأنظمة على امتلاك ناصية الشرعيات كلها إلى أن أصبحت مصدر التشريع ذاته، وتمكنت من القانون حتى غدت إشاراتها وخطاباتها فوق القوانين جميعها. وبين شرعية التاريخ والنفوذ وشرعية السلطة والثروة، لا تفرط هذه الأنظمة في شرعية الدين حتى تسلك من تبقى من العلماء والشرفاء في سلك التبعية.

لقد أصبحت الشمولية العربية مع تعاقب سنوات الجمر والرصاص وديمومتها مشروعا مقننا يجد سنده في ديباجات الدساتير الممنوحة وبين الفصول والأبواب، كما أن هذه الشمولية تتميز بكونها لا تترك مؤسسة من مؤسسات الدولة إلا حشرتها ضمن السرب وأضفت عليها كرامة التعيين ونعمة التبعية، إلى أن تماهت كل المشاريع في مشروع واحد كاسح بسلطة القانون ودين الانقياد ووهم الواقعية، وهو مشروع الحاكم وإرادته التي لا تناقش ولا تنقد.

هذا في الوقت الذي تجتهد الأقلام والحناجر المأجورة في خلط الأوراق وتمطيط المفاهيم وتفصيلها على المقاس، خدمة لمزيد من الشمول والانفراد، كل ذلك باسم الفكر والسياسة والأكاديمية.

وإن من أبشع الظلم الفكري والجرم المعرفي والخراب الإعلامي، أن تنسب الدولة إلى النظام وتسمى باسمه وتحسب في ملكه، وإنه لذر للرماد في العيون أن يصنف نقد الأنظمة وتقويمها في خانة تهديد استقرار الدولة ونيل من الوحدة والتعايش الاجتماعي. فالدولة شيء والنظام شيء آخر لا يتسع المجال ها هنا لتوضيحه.

وغير بعيد عن سمات الشمولية والفردانية والاحتكار المعرفي تفرض هذه الأنظمة مفاهيمها الخاصة حول الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، ديمقراطية “الحاكم يأمر والشعب يستجيب ومؤسسات الدولة تنفذ”.

قبل فوات الأوان

انتقلت شعوب العالم العربي بعد ثورتي تونس ومصر من المطالبة بتحقيق الحكامة إلى المطالبة بإسقاط النظام، وهو تحول يعبر عن مدى شمولية الأنظمة العربية وانفرادها حتى لم تعد هناك مصداقية تذكر لمؤسسة من مؤسسات الدولة، كلها في كنف النظام وتحت سلطته.

لا مكان إذن لنظام شمولي في ضوء هذه التطورات المعرفية والاجتماعية، لذا على الأنظمة العربية، غير التي جرفها تيار الغضب، ومن يدور في فلكها من وسطاء متحكمين أو مساهمين، الآن قبل غد، أن يكونوا في مستوى الأحداث قبل فوات الأوان.

لا مجال للتدليس وإبداع الأكاذيب وتزوير الحقائق، ما حدث إلى حدود الساعة هي ثورات تستهدف تغيير الأنظمة، والشرعية في مثل هذه المواقف والأحداث، إنما هي شرعية الشارع والشعوب الغاضبة، لا شرعية القوانين الممنوحة.

لا وقت لدا الشعوب حتى تسمع لمن يقفزون الآن إلى خشبة المسرح باسم خبراء القوانين والأنظمة الدستورية، يروجون لفكرة الشرعية الدستورية وضرورة استمرار النظام حتى تحقق المطالب ويتم الانتقال، لأنه لا قياس مع وجود الفارق. إنها ثورات من أجل قلب الأنظمة لا حركات من أجل الإصلاح، فالحوار يجب أن يكون تأسيسيا لا فنيا أو بروتوكوليا.

جميل ما قاله بن علي أو مبارك بعد تأكد الثورة، إنهم فهما الرسالة وسيحققون مطالب الغاضبين، مطالب إصلاح الدساتير أو تغييرها حتى تؤكد المحاسبة على كل ذي مسؤولية، وإسقاط البنود التي تقدس الأشخاص وتأبدهم في مناصبهم وتعطيهم صلاحية تعيين كل موظفي الدولة المعتبرين.

هذا دليل على أن الأنظمة تعلم ما تطالب به الشعوب، فلتفعل قبل أن تجرفها رياح التغيير المنتشرة عدواها على ربوع الوطن العربي. وإن كانت بعض الأنظمة قد نسيت أو تناست فإننا نذكرها بالآتي:

تريد الشعوب حكما ينبني على التعاقد بين الحاكم والمحكوم، قوامه المحاسبة والتفويض الشعبي

تريد الشعوب كرامة وحرية تنقلها من الرعية إلى المواطنة

تريد الشعوب دساتير يضعها من يمثلون طموحها بكل إخلاص ومسؤولية.

تريد الشعوب المسلمة أن يحترم إسلامها فلا يعتصر في مربع أقل من الأحوال الشخصية

تريد الشعوب عدالة اجتماعية تكرم الإنسان من حيث كونه إنسان.

تريد الشعوب حاكما محبوبا ودولة رائدة وشعبا معززا ومكرما.