تقديم

حديث شريف روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم: “الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها”، فيه حرص على دم المسلم والبشرية، إنه الإسلام الدين الحق، دين الرحمة والرفق. دين يحارب الفتنة في الدين والمال والولد والعرض والأمن والشرف. يساوي بين الناس ليكونوا كأسنان المشط أمام تعاليمه بنظام نسقي متكامل في الحكم والاقتصاد والقضاء والعلاقات العامة المنظمة للحياة، بالعدل يكون درء الفتنة، وبالتوزيع العادل تكبح النفوس وتركن إلى الحق وتنصاع له، فيعم الأمن والسلام.

في كثير من المواقف والمشاهد تحول هذا الحديث إلى سيف مصلت على كل داع إلى الإصلاح، ومشهرا في وجه من قام لله بأمر الله، ونصح لله ولرسوله ولعامة المسلمين وأئمتهم. سلاح يرفعه متدينون وغيرهم ممن لا يعرف من الإسلام إلا جملا يتمترس خلفها لتحقيق أغراض ومصالح ضيقة خاصة. سلاح يوظفونه في كسب قلوب وعقول العامة لما يعلمون من سلامة فطرتهم ونقاء سرائرهم، فيقذفون الباطل ويسوقونه حقا، فيلوُون أعناق الآيات والأحاديث ليرضى عنهم الممول، ويسلم له المنصب.

يسوقون حديث الفتنة هذا فقط عندما يدرك الناس ويكتشفون أن داء الأمة ليس بالحادث، وإنما هو ممتد في الزمان والمكان قرون. داء الأمة أنظمة جبرية وعاضة، ما إن يتوصل الناس إلى ذلك حتى تنطلق القذائف في وجوههم وتكال لهم التهم باسم الدين إنهم دعاة فتنة.

يسوقون الحديث فقط في هذا الموضع حتى يسلم شخص واحد وبطانته ولئلا يمسا بسوء، أما أن تفتن الأمة كلها فهذا لا يحركهم ولا يستدعي منه التنقيب في من زرعها في الأمة ومن غذاها ونماها ومولها وأحياها ورباها وأذاعها ورعاها وشملها بـ”رعايته السامية”.

يشهرون الحديث الشريف في وجه الأمة وهم في ذلك يتوهمون أن الفتنة نائمة تغط في نوم عميق ولها شخير ونخير، لكن الأمر على عكس ذلك فالفتنة تصول وتجول وقد لبست حللا عديدة، مشت في الشارع ومع وصيفاتها، وظهرت على الإعلام وقد انتفشت بين أخواتها، وصارت تطوف كل ميدان وساحة، ودخلت البيوت من الأبواب والنوافذ، تلونت في كل الألوان وتسمّت بكل الأسماء إلا اسمها الحقيقي. نعم هي ليست نائمة لكن من ناموا عن الحق وسايروا وتهاونوا وتخاذلوا في نصرة المظلوم وركنوا إلى الأرض، اعتقدوها كذلك. فالناس والأمة مفتونة منذ زمن طويل، تمتد حتى القتل -وهي أشد منه- وتتراجع لتلتف حول رقاب الأمة في كل شارع وناد ليصطلي بلظاها كل مواطن.

الفتنة ليست نائمة

لسنا دعاة فتنة، لكن ماذا نقول إن هي دقت علينا الأبواب، وسرت في المجتمع كما النار في الهشيم، ماذا نقول لما دفنا رؤوسنا في الرمال فجاءت تجرنا ذات اليمين وذات الشمال وتصفعنا وتأخذ بتلابيبنا.

أي فتنة هي أكبر من تغييب شرع الله والحكم به؟ في الحكم والقوانين والدساتير والاقتصاد….؟

أي فتنة أكبر من أن يموت الناس حرقا وغرقا وجوعا بينما ينعم فرد وعائلته وأصهاره، يستحوذون على خيرات الأمة ظلما وعدوانا بكل الطرق والأساليب؟

أي فتنة هي أكبر من نهب الثروات على أيدي طغمة قليلة، في حين يعيش كثير من الأنام على المزابل وضيق العيش في المأكل والمشرب والملبس والمسكن؟ تعيش في مراحيض وتتغذى على القمامة في المزابل.

أي فتنة أكبر من ألا يأمن الرجل لا على نفسه ولا على أبنائه وبناته، من مختلف أنواع الإجرام والعنف والانحراف؟ والصحف ونشرات الأخبار ملأى بكل هذه الأنواع والأصناف.

أي فتنة هي أكبر من مسخ عقول المسلمين ببرامج التعليم التي تقتل فيهم الدين والخلق والكرامة والإنسانية؟ برامج من الشرق والغرب لا هم لواضعيها إلا تحويل المسلم إلى أشبه بالحيوان يلهث وراء الشهوة، أو يستهلك ما تنتجه كبرى الشركات.

أي فتنة هي أكبر من أن تذبح الحرائر في الشيشان وأفغانستان وغزة وكوسوفا على المباشر بكل الألوان واللغات، ويحجر على كل من أراد أن يتألم بصوت مرتفع على انتهاك الحرمات؟ ويعتقل ويحقق مع من يفكر في التضامن معهم، ولا تسل عن فعل الأنظمة عما تفعله مع من هبوا ولبوا نداء الأخوة والنصرة.

أي فتنة هي أكبر من أن يحاكم المصلون بتهم الاعتكاف في المساجد ويقدمون إلى المحاكمة؟ أي فتنة أكبر من أن يمنع الناس من الجلوس في المساجد لذكر الله عز وجل، وتقتحم المساجد من قبل “قوات الأمن”؟ أي فتنة أكبر من طرد الأئمة من على المنابر؟ وعسكرة المساجد منعا لذلك الخطيب الذي وصل إلى قلوب المأمومين لتقواه وورعه وسمته، في حين فشل من وضع لتدجين العقول؟

أي فتنة هي أكبر من أن تضع الأنظمة العربية يدها في يد الصهاينة وتستقبلهم في القصور والدور وفي قبب المؤسسات التي يفترض أن تضم ممثلي الشعوب؟ بينما يمنع العلماء والدعاة والصالحون وتقوم أجهزة الأنظمة الشمولية باقتحام غرف نومهم وهتك حرماتهم لبث الرعب بين الآمنين؟

أي فتنة هي أكبر من أن يعيش ملايين المستضعفين من أبناء الأمة تحت قوانين الطوارئ المعلن وغير المعلن؟ تقتحم بيوتهم ليل نهار ويعتقلون لمجرد الاشتباه ويزج بهم في السجون نكاية بهم.

أي فتنة هي أكبر من تغتصب صبايا المسلمين في البلقان بالآلاف، وتقطع أجساد الرضع في غزة بينما يحتضن “ولاة أمور المسلمين” معارض للخمور، وتجود خزائنهم بالملايير رعاية لمهرجانات الرذيلة والخنا والفحشاء؟…

هي تساؤلات لا تنتهي لكن من غشيهم النوم الكثيف حتى بات يسمع لهم شخير ونخير عاليين، سلموا أن الفتنة نائمة بينما هي في أحسن حالات يقظتها تلبس حللا عدة وتعرف الشاب والمرأة والبنت والرجل والطالب والتلميذ والعامل والعاطل، فتنة هي في الإعلام والتعليم والشارع، في المال والولد والعرض والأمن والغذاء والسكن، ويبدو أنها دقت الأبواب بعد الطبول حتى صخت الآذان، ورائحتها قد أزكمت الأنوف، لكن من سدوا أذانهم، وأعموا أبصارهم، وسدوا كل المنافذ لئلا يسمعوا صوتا غير صوت أرباب نعمتهم، أو من يغررون بهم لما يستيقظوا بعد.

إن من قام اليوم يحيي الأمة ويمحو آثار نزيف طويل، ويقف في وجه صناع هذه الفتنة، لا يوقظها بل هو يسعى لدرئها ويتلافى أخطارها وعواقبها التي تعيش الأمة اليوم في مآسيها، هو سعي لتضميد جراح الأمة من قرون الفتنة التي غشيت الأمة حتى جعلتها أضحوكة بين الأمم، عسى يلتقي الفعل مع القدر، ليتحقق الوعد فيكون النصر.