أجرى موقع إيلاف الإلكتروني حوارا شاملا مع الأستاذ فتح الله أرسلان، الناطق الرسمي باسم جماعة العدل والإحسان، حول الواقع المغربي والتطورات السياسية المتوقعة، بناء على التحركات الشعبية في العديد من الأقطار العربية، ومواقف العدل والإحسان ومقترحاتها للمداخل الصحيحة للتغيير السياسي الجاد.

نعيد نشر الحوار تعميما للفائدة:

لماذا اختارت الجماعة هذه الفترة بالضبط لتقديم عشر نقاط كي يتجنب المغرب الأسوأ؟

تلك النقاط أعلنّاها منذ تأسيس جماعة العدل والإحسان وظللنا نكررها ونؤكدها على مر تاريخنا، وكان آخرها منتصف الشهر الماضي بمناسبة انعقاد الدورة 15 للمجلس القطري للدائرة السياسية للجماعة من خلال وثيقتين منشورتين وهما ملخص التقرير السياسي والبيان الختامي، كما لم تخل جميع دورات هذا المجلس ومجلس الشورى من التأكيد على تلك المطالب. وأذكر أيضا بالرسائل الشهيرة لمرشد الجماعة الأستاذ عبد السلام ياسين وأقصد رسالة “الإسلام أو الطوفان” سنة 1974 و”رسالة القرن في ميزان الإسلام” سنة 1982 وقد وجههما للملك الراحل الحسن الثاني، و”مذكرة إلى من يهمه الأمر” سنة 2001 التي وجهها للمك الحالي محمد السادس. وها نحن اليوم نعيد الإلحاح على نفس المقترحات في هذا الظرف الحساس الذي تمر منه أقطار الأمة الإسلامية، وفي ظل اختناق الوضع في المغرب، وهذه الأوضاع مجتمعة لم تزد اقتراحاتنا إلا مصداقية.

هل تعتقدون أن الثورة في المغرب يمكن أن تحدث إذا لم تتخذ إصلاحات آنية؟

علم الله كم حذرنا وما نزال نحذر من الانفجار الشعبي، وكلما زادت درجة الاحتقان كلما زاد تحذيرنا من العواقب غير المحسوبة لا في توقيتها ولا شكلها ولا حجمها، وكلما ازداد إلحاحنا على مكونات البلد وفضلائه للائتلاف من أجل إنقاذ مغربنا وعدم الرهان على النظام الذي تأكد إصراره على الاستبداد المطلق الذي أنتج وما يزال ينتج أوضاعا لا تزداد إلا تعقيدا.

ولا ينبغي أن ننسى أجراس الإنذار التي دقت في مناسبات ومناطق متعددة في المغرب انطلاقا من انتفاضتي 1981 بالدار البيضاء و 1984 بالناظور، وصولا إلى انتفاضات مدن إيفني وصفرو والحسيمة وعدد من مدن الجنوب خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

هذا من أجل تذكير من لا يزال يكابر، وإلا بعد الهبات الشعبية الجارية في تونس ومصر لم يبق لهذا السؤال محل حيث إن لغة الإصلاحات الجزئية لم تعد مجدية، لن يقنع الشعوب بعد اليوم إلا تغييرات جوهرية لنظم الحكم على أسس الحرية والعدل والكرامة.

تتمتع الملكية في المغرب باحترام كبير، هل تتصورون أن المغاربة يقبلون بفكرة “ملكية تسود ولا تحكم”؟

انتهى عهد الشعارات الزائفة المخدرة التي كان الحكام يتسلون بها ويكذبون بها على أنفسهم ويرضون من خلالها جنون تسلطهم.

وأبرز هذه الشعارات الوهمية التي تبخرت في كل بلاد الاستبداد شعار الإجماع والتعلق المطلق للشعوب بأهداب العروش، فكل ذلك وغيره من الأوهام كان تحت إكراه السلطة القاهرة والإعلام الرسمي الذي ليس له من دور غير نفخ الوهم في أذن الحاكم صباح مساء. اليوم تكسر حاجز الخوف لدى الشعوب ونرى كيف تسخر من تلك الشعارات.

الحلول الجزئية والاختباء وراء بعض الترقيعات لكسب مزيد من الوقت في عمر الاستبداد وتخيير الشعب بين الشرور فقط لم تعد تقنع أحدا، حيث انكشفت لعبة حصر الخيارات أمام الشعب بين قبول الحكم الفردي المطلق وبين ترهيبه بفزاعة الإسلاميين والفوضى والطائفية، ولاحظ الجميع في تونس ومصر كيف أن الأنظمة هي التي تثير النزعات لإحداث الفرقة بين أبناء الشعب لتطرح نفسها المنقذ الوحيد وضامن الاستقرار، في حين أصبح الخيار الأفضل ماثلا اليوم أمام الأعين ولم يعد مستحيلا، ولا بديل عن مراجعة جذرية لطبيعة النظام.

كان زعيم الجماعة الشيخ عبد السلام ياسين قد تنبأ بما سماه “القومة”، آنذاك تعرض لانتقادات ساخرة هل تعتقدون في الجماعة أن سنة القومة هي 2011؟

القومة في تصورنا ليست لحظة معزولة مقطوعة عن أي سياق، بل هي صيرورة في الزمن وتكاثف للظروف والجهود والإعداد المتواصل، وهي جماع لجهود كل الحركات القائمة في وجه الاستبداد في التحام مع الشعب حتى تصل لحظة النضج لتنهي وضع الاستبداد.

فالأمر إذن لا يتعلق بتواريخ محددة إنما يرتبط بنضج الشروط. وقومة الشعب متى ما وقعت ستشكل مفاجأة للاستبداد الذي توهم الخلود في وضعه، أما الشعب والحركات الجادة فلن يفاجئهم الأمر لأنهم لأجل ذلك كانوا يعملون وفي سبيله قدموا التضحيات الجسام.

الديموقراطيون والعلمانيون المغاربة يخشون دخول: “العدل والإحسان” إلى السياسة ليقينهم أن الجماعة ضد الديموقراطية وترغب في تطبيق الشريعة، وينطلقون من أدبيات الجماعة، كيف يمكن أن تطالبوا بالديمقراطية وفي نفس الوقت بتطبيق الشريعة؟

الأمر ليس بهذا الإطلاق، فكثير من هؤلاء لم يعد لديهم هذا التوجس بعد أن أصبحت لدينا جميعا فرص للاحتكاك والتقارب مما بدد كثيرا من الأحكام المسبقة الناتجة عن فترة القطيعة، وانقلبت الأمور بشكل كبير حيث إن كثيرا منهم يلحون علينا لدخول العملية السياسية بقواعدها الحالية. ولعل التضامن والتكاثف بين الشعب وجميع التيارات لصناعة الهبات الشعبية المجيدة في تونس ومصر يشكل درسا للجميع، ويعطي بالملموس أن ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا، وما نختلف فيه يمكن تخفيف حدته إن توفرت بيئة صحية للحوار الذي ينتج ضوابط الاختلاف لتحصين التعايش بين جميع أبناء الوطن الواحد وضمان الاحترام لجميع المرجعيات، وتسييج كل ذلك بضمانة أساسية وهي التداول على السلطة بناء على الإرادة الشعبية لتجنب أسلوب الإكراه من أي طرف كان. ولهذا فإننا نلح دائما على ضرورة ائتلافنا على ميثاق وطني يكون أرضية ننطلق منها لإنقاذ بلدنا.

إذا ما أقدمت المؤسسة الملكية في المغرب على إصلاحات دستورية هل ستدخلون غمار اللعبة السياسية، وهل ستقبلون بالملك كأمير للمؤمنين؟

كل إصلاح في ظل النظام بتركيبته الحالية وبالعقلية السائدة لن يكون إلا ترقيعا وتلطيفا من قبضة الاستبداد وانحناء للعاصفة. المطلوب الآن أكثر من أي وقت مضى تطليق أسلوب الترقيعات التي لا تنتج غير تأجيل الأزمة، المطلوب إعادة بناء نظام على أسس جديدة متينة تنبثق من جمعية تأسيسية تمثل فيها كل مكونات الشعب ولا تكون تحت وصاية أحد وتنظر بحرية في كل القضايا وتصوغ دستورا جديدا وتبقى الكلمة النهائية للشعب.

راجت أخبار في الجزيرة القطرية عن مشاركتكم في مسيرة 20 فبراير هل ستشارك الجماعة في هذه الحركة التي دعا إليها شباب على الفايس بوك؟

لم يصدر منا لحد الآن أي تأكيد أو نفي للمشاركة في أية حركة. وفي كل الأحوال نحن لا نعارض أي تحرك شعبي جاد، ونحن جزء من شعبنا، وفي أي وقت اتضح لنا جدية وسلمية أية حركة احتجاجية فلن نتخلف عنها.

يتخوف الكثير من مسيرات تقودها الجماعة في حال إذا لم تقبل المؤسسة الملكية على إصلاحات، هل يمكن ل”العدل والإحسان” نقل احتجاجاتها إلى الشارع؟

إذا كان جميع الرسميين يتسابقون اليوم لإعلان ديمقراطية الدولة واحترامها لحرية التعبير فلم التخوف إذن من أي تعبير سلمي في الشارع سواء من جماعة العدل والإحسان أو غيرها؟