ما كان يخيل للعلماء والأحزاب وكثير من الحركات الإسلامية والحكام أنفسهم ولا يدور بخلدهم، أن الشعوب الإسلامية ستقول يوما بلسان واحد وصوت واحد للحاكم ارحل، يستبعد الكثير هذا الأمر لما يعرفون من هول حكم الجبر وبطشه وعنجهيته.

بلغ الشعب العربي المسلم في تونس ومصر مبلغا من الفهم حين أدرك فساد النظام وليس فساد الحاكم فحسب، فطالب برحيله وحاشيته وبطانته المشكلة لنظامه. حكم عليهم بالانتحار والموت السياسي، فلا مصداقية أوهموه بها بقيت، ولا تخدير له برمز القائد البطل ظل أثره وبقي مخدره، ولا وعود كاذبة يرجى تحققها وتأمل رؤيتها.

مر زمن طويل والحكام يوغلون في الفساد المنظم والإفساد الممنهج ويستحلون الكذب ويستخفون الشعب بالتهريج والتهييج ويتفننون في أساليب التخويف والترهيب؛ يكممون الأفواه الصادقة المعارضة، يحاصرون ويحتوون ويغرون ويزَورون، ويصنعون نافخي الأمجاد المدافعين عن الحمى المنكلين بالمخالفين النائلين من مصداقيتهم المشوهين لصورتهم خاصة الإسلاميين، يحولون بينهم وبين الشعب بنقل الأباطيل وترويج الأكاذيب، ويجدون ويجهدون في صنع الأمجاد الشخصية وركوب جنون العظمة وجمع الثروة والمتاع.

نزل قدر الله الذي يمهل ولا يهمل وينصر المستضعفين ولو بعد حين، على غِرة، وسنحت معه فرصة تاريخية لتغيير نظام الحكم الفاسد المستبد، ليخسف الله شمسه ويكسف قمره، فلا نور ولا ضياء ولا ظهور ولا حضور بعد الآن، إنما مزبلة التاريخ في الانتظار، فما زال بها أماكن شاغرة وفرش قذرة ودثار نتنة.

نزل قدر الله على يد الشعب، فخرج الغضب المكبوت المكنون في الصدور المخزون في الأفئدة على الظلم وسدنته، ظلم ذاق مرارته وتجرعه سما قاتلا مهددا لحياته وأمنه ومستقبله، شاغلا إياه عن عبادة ربه وعمارة أرضه بالشكل المطلوب المرتجى.

لله الحمد على فضله ومنه وإرادته وحكمته، ولله الفضل على رجال قالوا كلمة الحق في وجه الحكام لا يخافون لومة لائم؛ تاريخنا خط بمداد الفخر والعز صفحات مشرقة من سلوكهم الرجولي، لم يخل زمان من الناقمين على ظلم الحكام المنكرين مخازيهم الرافضين جرائرهم من العلماء الصادعين بالحق فرادى أو المصطفين مع الشعب، أمثال: القائمين من أهل البيت وبعض التابعين وأئمة الفقه الأربعة وغيرهم كثير في المشرق والمغرب.

إلى زمن قريب، لم يكن يجرأ الكثير على معارضة الحكام، ومن كان يفعل يسام سوء العذاب، بما لا يخطر على بال، سواء في ذلك الأفراد أو الجماعات: زج في السجون، مس بالأعراض، محرقات، نفي وتغريب عن الأوطان، اختطافات، اعتقالات، تهديدات…، لذلك كان إنكار منكر الحكم الفاسد عند الكثير يبقى حبيس القلب لا ينتقل إلى اللسان أو الفعل.

لكن كاملي الرجولة والشهامة الذين استرخصوا أنفسهم في سبيل الله تجرؤوا على قول كلمة الحق في وجه سلاطين الجور وحكام الجبر لم يخافوا في الله لومة لائم، وحسبنا مثالا في المغرب الأستاذ عبد السلام ياسين الذي نصح حاكم المغرب الراحل رحمه الله والحالي، ووضع في كتاباته يده على مكمن الداء وأصل البلاء وهو فساد الحكم واستبداده، عبر نظرة قرآنية نبوية قارئة للتاريخ من أعاليه متتلمذة على مجاري أمر الله القدري فيه، مجليا صورة الحكم الجبري بشكل ناصع في حاضر الأمة، ومبينا مشروعية القومة على الحكام، وراسما منهاج تحرير الأقطار الإسلامية من استبدادهم، ومستشرفا لحكم إسلامي تحت دولة القرآن في غد الخلافة المشرق. لم يبال الرجل بموته شهادة في سبيل الله، فإن رحل فسيبقى المنهاج والرجال حملة المنهاج، فما فتئ يؤكد على أن ذل المسلمين من غياب الكلمة المسؤولة.

إن أجمل وأنصع ما في الغضبة والسخطة الشعبية في تونس ومصر هو خلع الشعب ربقة “دين الانقياد” وإسلاس القياد، وكسر الخوف من الحاكم المغروز في النفوس المعمر عقودا، وقول كلمته المسؤولة: ارحل يا ظالم، هتفت بها الحناجر وخطتها الأيدي على الأرض، لوحة رائعة خالدة، سنية هذه المرة، رُسمت، أعطت درسا بليغا للعلماء والدعاة والحركات الإسلامية والأحزاب والهيئات… في الرجولة والصدع بالحق، وعمقت روح المقاومة والممانعة ضد الاستبداد الداخلي والاستكبار الخارجي. نسأل الله تعالى أن يبارك هذه الغضبة ويجعلها غضبة في سبيله والمستضعفين، ويحفظها من كيد الكائدين وإغراء المغرين وخيانة الخائنين، ويثبت أقدام الغاضبين ويوفقهم للصمود ويحليهم بالصبر وطول التحمل إلى أن توتي أكلها.

ثقل كبير وضع عن الألسنة، ووهن شديد ودع من القلوب، إن صحب ذلك وتلاه تربية إيمانية عميقة تنقض قواعد الفتنة في نفس كل مسلم وعقله وسلوكه، وعلى كافة الأصعدة والميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والفكرية…، وتبني على أسس إيمانية أخلاقية حياة إسلامية مستقبلية للمسلم السعيد والأمة المهيبة تهيئا لتبليغ رسالة الله للعالمين.