قصيدتي رسالة بعثتها بالبريد المضمون إلى ميدان التحرير بالقاهرة، هي مؤازرة من قريب لبعيد يشدّ على يديه في محنته، ليواصل صموده إلى حين إسقاط أبي الهول ونظامه، وتحقيق آمال الشّعب المصري وأحلامه، ورجائه في حكم يُؤطّره الحق والصواب، والحكمة وفصل الخطاب، لا الإقصاء والإرهاب، وتكميم الأفواه ورعاية الشاه لخراف وشياه. آه وآه ثم آه وأوّاه.لقاهرة «المبارك» كلّ شكري *** فقد أَوْرَت شوارع مصر شعري
يريد الشّعب أن يُمحى نظام *** يسوم النّاس قهرا إثر قهر
فَمصر تحمَّلَت كرها «جمالا» *** و«ساداتٍ» وذاقت كلّ مُرّ
وثالثةُ الأثافي والدّواهي ***«مباركُ» مَن يُبارك كُلّ جَورِ
عقودٌ من نظام مستبدّ *** وجيلٌ بعد جيل نهب هَدْر1
ولو نطَقَت لقالت واستدلّت *** ب:ذا قَدَري وحتما ليس قَدْري
هنا صوت لقاهرة الأعادي *** يقول بأنّ يُسرا بعد عسر
وأنّ الحقّ يعلو، ليس يُعلى *** على حقّ الإله بحُكم جَبر
فلا مولى لأفّاك أثيم *** ولا جدوى لزيد بعد عمرِو
ومن خال التّظاهر محض عنف *** يؤول إلى التّلاشي موج بحر
فما وعظَتهُ تونس حين هبَّت *** وأسقَطَت المُبير بشبه سِحر
فعَلِّل يا أُخَيّ ولا تقَصِّر *** وبرِّر ما تراه بلا تحَرّ
وقل: « ذي شعلَة من تِبن شَعب *** تُؤجّجُها العواطف دون فِكر
ويشعل نارها جوع وعري *** وحتما سوف تُطفَأ قبل شَهر
فزَينٌ ليس حسني دون شكّ *** وليس شبابُه كشباب مصر
نظام «مباركٍ» أقوى وأدهى *** وهل يوهي الرّواسيَ نطح ثور؟
وجيشُ نظامِه بالحُكم أولى *** من الإخوان أشبال الهِزبر
لئن حكَموا البلاد فلا أمان *** متى إرهابُهُم أفضى لِخير؟
وأمريكا لأمّتِنا حليف *** ولولا دعمها آلَت لخُسر»
ألا كُفّوا عن الدّعوى، أفيقوا *** فما الخضراء إلاّ بدءُ فجر
وبعدَ الفجر صُبح مُستنير *** بنور الله في الأمصار يَسري
ويُعدي بالصّمود وبالتحدّي *** شعوبا تشتكي من بُؤس فَقر
ومِن قهر وتجهيل وعُهر *** وإرهاب وتهريب وأسر
وإقصاء وتهميش وقتل *** وتزوير أمام الشّعب يجري
ومِن حَصر وإسكات لِصوتٍ *** إلى الميثاق يدعو كلّ بَرّ
لإسلام على الإنصاف يُرسي *** قواعد «لُعبة» تُغني وتُثري
بإشراك الجميع بِدون حَيْف *** سوى راض بجَور أو بِكُفر
دعونا من سكوت وانتظار *** دعونا من وُعود عيل صبري
دعونا من قرارات تهاوَت *** أمام إرادة من صُلب حُرّ
يُنادي أن أنيبوا واستجيبوا *** فما عاد الخِطاب بِ: «سوف» يُغْري
فإن لم تكفِكم خضراء «زين» *** فهذي مصر «حُسْني» رَهْن حَظر
وموعدها خلاص مِن نِظام *** إلى الفوضى انتهى أو لست أدري
ولكن المآل بلا جدال *** أقلّ فظاعة مِن كلّ عذر
لمن حصروا «أبا الهول» امتناني *** ومن جَبَروا برفض الوهن كسري
شعار جموعهم يَشفي غليلي *** ويطفئ نوره نيران صدري
يريد الغاضبون رحيل «حُسني» *** ليَبْدُوَ حُسنُهم أجلى كبَدْر
ولا لَنْ يبرحوا حتّى ينالوا *** حُقوقهمُ ولو مكَثوا لِدهر
ألا فليرحل «الفرعون» حالا *** وإلاّ لَن يَميدوا قَيْد شِبر
وليس لِخُدعة التأخير معنى *** إذا بقِي المحنّط حِلس قَصر
فهَذي ساحُ تحرير ونصر *** ولن يُجلِي الحُشود قرار حَظْر
إلى أن يذهَب السفّاح طوعا *** وإلاّ صِيدَ كرها مثل فأر
ولكن الأعادي مِن يهود *** وأمريكان طغمة كلّ غِرّ
له سند إذا قهر البرايا *** وإن قهروه بَاءَ بِكُلّ وِزر
ولو كان « المبارك» اِبن مصر *** لكان رحيله بُرهانَ بِرّ
ولكنّ البلايا والرّزايا *** مواعظ للمضلَّل قبل أَطْر
إذا الطّوفان حلّ بأرض باغٍ *** فهل يأوي لبَرّ أم لبَحْر؟!
أم المأوى كتاب واتباع *** ومنهاج2 أصيلٌ ضِمن سِفر
وميثاق على كَلِم سواء *** وقومة شاهد بُشرى لعَصر
يُؤرّخ للغد الآتي بفِكر *** يُؤسّس للخلافة بَعد جَبر
ومن رام الغنيمة دون غُرْم *** كمن راد العروس بِدون مَهر
ألا فليحفظ المولى حِمانا *** مِن الأهوال أو أخذٍ بِثأر
نريد لشعبنا عِزّا وأمنا *** نريد خلاصَه من كلّ شرّ
لنوقف حرب «غبراء وداحس» *** ونصلح بين «ثغلبهِ وبَكر»
نريد وليس للرّاجي قرار *** فذا أمر الإله وليس أمري

استدراك شعري:

أتى أمر الإله فلا تعجَّل *** وذا استدراك شعري بَعد نثري:
إلى أبناء بَنّاءٍ3 وقُطب4 *** مَن انتفضوا بإقدامٍ مُصِرّ
وإبداع يفوق الوصف حُسنا *** شُعوراً لا شِعاراً لَوْك ثَغْر
إلى الغرباء من فازوا بطوبى *** إلى من يكتوون بنار جمر
إلى علمائنا في كلّ ثغر *** إلى فضلائنا في كلّ قُطر
إلى الصّلحاء أرباب الزّوايا *** إلى أحزابِ مِصر وكلّ مِصر
إلى الشبّان من ذكر وأنثى *** إلى الأحرار من وَرِق وتِبْر
أُذَكِّرُكم بما سُقْنا بيانا *** رسائل إن بِقول أو بحِبر
هو الإسلام أو طوفان شعب *** إذا ثار استهان بكلّ وَعْر
ذكيّ مَن يَعي مِن دون لَفّ *** بأنّ الصَّبر مُرّ مِثْل صِبْر
وإن ضاق الصّبور فلا توان *** لِجَعْل المستبدِّ رَهينَ حِجر
فلا جدوى لقمع أو حوار *** وقد نَسَف التّعالي كلّ جِسر
ولا معنى لجعل الدّين سهماً *** يُصوَّب ضِدّ «إخوان»5 بِمَكر
فقد جرّبتمُ كلّ المطايا *** وها أنتم تهاويتم لقُعر
فلسنا طالبي دنيا لدنيا *** ولا صنّاع إرهاب وذعر
ولكنّا دعاة لا رعايا *** ولا صيدٌ لذي ناب وظُفر
ويُضحكنا غرور من قبور *** وهدهدُ طُغمة يَزري بِنَسر
ويبكينا بكاء الأمّ صاحَت *** أنا قبَّلْت رِجْل شباب مصر
غداة رأَيتُه شهما أمينا *** ويحمي منزلي أهلي وظهري
وينسينا البكاء وكلّ ضِحْك *** خطاب المستهين بكلّ حرّ
ومن يرجو الجميع له رحيلا *** على رِجْلين لا نعشا لقَبر
متى يدري بأنّ الشّعب يرجو *** من المكروه أذنا دون وقر
ليسمَع صوتَه يعلو جهارا *** ألا فارحل كفى من سَخْفِ كِبْر
ودع مِصرا لمن يحمي حماها *** ولا تجعل دماها مثل نهر
«بفبركة» المعارض للتحدّي *** ومأجور ينال أقلّ سِعر
ومُت في أيّ شبر شئت نِكْسا6 *** فكلّ معمَّر يحيى لِعُمْر
فللتّاريخ حُكم ليس يُنسى *** علينا أم لنا حَتْما ستدري
وقل ما شِئت تضليلا وكِذبا *** غباء من عنيدٍ قَلْبَ صَخْر
يقول الشّعب فِرَّ قُبَيْل كَرّ *** فما عاد المقام مقام نَذْر
و«حسني» في سبات ليس يدري *** بما يجري وفوق «العرش» يَفري
ينصّب نائبا ويقيل رمزا *** لجيل لم يعد يرجى لدور
وتلفاز المغفّل ضغث حلم *** يريح الجسم من ألم بخمر
ويُظهر مصر ميدانا لحسني *** وأحمدَ أو لطنطاوي وعمرو
جحافلهم “عميلٌ بَلْطَجِيّ” *** وشُرطيّ نِظامِيٌّ وسِريّ
برابرُ فوق خَيْل بل جِمال *** أتَوا ميدان تحرير لشَرّ
وقد أُجِروا بوعد أو بمال *** لسَحق الأُسْد فارتدّوا بِعَزْر7
وظلّ الصّامدون بلا تَوانٍ *** يُدَمدِم صوتُهم بأذان فجر
مطالبهم رحيل لا بديل *** عن التغيير من لبّ لقشر
ومومياء رمسيسٍ رئيسٌ *** على أجداث أهرام بِقَفر
ولو سألوا الفراعنة الخوالي *** لقالَت يا «مبارك» لُذ بِغيري
فما هذي الدُّنى إلا سراب *** وبعد القبر نَشر قَبل حَشر
فإمّا جنّة تأوي سعيدا *** وإمّا نار زمهرير وحَرّ
وما غَضَب العِباد سِوى نذير *** لمن جاروا بأخزى مستقر
صلاتي والسّلام على نبيّ *** أتانا بالهدى من بعد كُفر
صلاتي للشفيع شغاف قلبي *** وآل حبُّهم أُنْسي وذُخري
وصحب ذكرهم مفتاح بِشري *** ومن ظفروا بأشواق وأجر
إليهم في ربوع الأرض شكري *** لهم مدحي وهم أهل لفَخري
1- هدر: أي باطل ليس فيه قَوَد ولا عقل.

2- منهاج: أي كتاب المنهاج النبوي للأستاذ عبد السلام ياسين حفظه الله.

3- بنّاء: أي حسن البنا رحمه الله.

4- قطب: أي سيّد قطب رحمه الله.

5- إخوان: أي جماعة الإخوان المسلمين بمصر.

6- النّكس: الجبان.

7- عزر: ضرب دون الحدّ لِمَنْعِه الجانِيَ من المُعاودَة.

فاس في 28 صفر الخير 1432هـ

الموافق 2 فبراير 2011م.