تقديم

لا يشك أحد من الناس، فضلا عن أن يكون مسلما، في قيمة العلم والعلماء، فبالعلم يرفع الله أقواما ويضع آخرين، وبالعلماء ينير الله الطريق إليه ويفتح للناس مغاليق الفهم عنه. لكن رفعة العلماء كما يتحدث عنها القرآن الكريم وتوردها الأحاديث النبوية الشريفة لا نكاد نعثر لها على صورة في تاريخنا ولا في واقعنا ما عدا زمن النبوة حيث كبار الصحابة علماء وزمن الخلافة الراشدة. فما الذي وقع في مجريات الأحداث حتى تعطلت رسالة العلماء وتجزأت قضايا العلم؟ ولِم خضع السادة العلماء -بعضهم- لضغط الحكام وتخلوا عن واجبهم بعدما كانوا هم السادة والقادة؟ وهل كان العلماء إلى يومنا هذا صنفا واحدا أم صنفان، أحدهما يبحث عن الرخص والآخر يواجه الظلم؟ ولِم اضطُهِد أغلب العلماء الكبار في أمتنا (كالأئمة الأربعة وسعيد بن جبير وابن تيمية والعز بن عبد السلام…)؟

أولا: العلماء في الإسلام مقام ومهام

1- العلماء ووراثة النبوة

المقام الذي ظفر به العلماء، ونعم التسمية تسميتهم، ونعم الوظيفة وظيفتهم، ونعم النسبة نسبتهم: ورثة الأنبياء الأصفياء عليهم أزكى الصلوات وأطيب السلام. مقام التبليغ الكامل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بشارة ونذارة وشهادة بالقسط ودعوة إلى الله ونورا يستضاء به، تسمية نبوية لا ينسخها الزمن، ووظيفة ربانية لا يعطلها السبب، يدركها الصادقون من العلماء تشريفا وتكليفا يلي رتبة النبوة، التي هي أعلى الرتب، قال الإمام الغزالي رحمه الله: ومعلوم أنه لا رتبة فوق النبوة ولا شرف فوق الوراثة لتلك الرتبة) 1 .

الوراثة النبوية وراثة عبودية وعلم وتبليغ، تبليغ عن رسول الله وعبده صلى الله عليه وآله وسلم ما جاء به من ربه عز وجل من الهدى ودين الحق، والصدع به في العالمين وتبيان الحق للبشر أجمعين، وتحبيب الله إلى الناس بمستوياتهم ومشاغلهم المختلفة وتحبيب الناس إلى الله ببيان فضائله المتكاثرة، من غير إفراط ولا تفريط، بلا تشدد ولا ترخص، قال سبحانه: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ.

مهمة العلماء من مهمة الأنبياء، إلا أنهم لا يوحى إليهم، ووظيفتهم تبليغ شريعة السماء لسكان الأرض، وعدم كتمانها أو تبديلها أو تحريفها، مع الحرص على نفي ما علق بها من تحريف غيرها، وذلك برد أباطيل المبطلين ودسائس الماكرين وتأويل المغرضين. ودوام تنقيحها من كل فكر غريب عنها، أو حُكم دخيل عليها.

العلماء أمناء على الدين، وجوهر وظيفتهم أن يكونوا قوامين لله شهداء بالقسط، مبشرين ومنذرين وداعين إلى الله بإذنه، مبلِّغين، معلِّمين، آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، ومعهم الضياء الذي لا يخبو، والدليل الذي لا ينحرف. كتاب الله “من علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم”) 2 .

العالم كالعين العذبة نفعها عام ودائم، وكالغيث النافع حيث وقع نفع، وكالسراج المنير من مر به اقتبس، وفي قيادة الأمة ينبغي أن ينبري العلماء بهمة وصدق ووِفقَ تصورٍ مُوحدٍ ليقودوا سفينة البناء والإصلاح بنجاح بين أمواج الفتن العاتية والمتلاطمة، ولا يملك أن يقود من ركن إلى الجاه والمال والدنيا، واعتز بمقامه الاجتماعي وأنس براحة الطاعم الكاسي. إن الذي يزهو بـ”كبرياء العلم” لمجرد أنه حاز درجة في اكتساب العلوم، ولا يتواضع مع مساكين الأمة وعامة مستضعفيها في أسواقهم ومناسباتهم فلا يرقى ليستحق شرف الوراثة النبوية، ولا تُعوِّل عليه الأمة في معالجة الفتن الموروثة من القرون الماضية. ما الفضل إلا لأهل العلم إنهمُ *** على الهدى لمن استهدى أدلاءُ

2- العلماء وتربية الأمة

عن أي عالمٍ نتحدث؟ عالم التحصيل أم عالم الخشية؟ عالم اللسان أم عالم القلب؟ عالم الكلام أم عالم العمل؟

طالع أيضا  فقهاء المنابر والوظيفة الغائبة –درس من التاريخ– (5)

إن أهم علم يجب أن يتزود به العالم هو علم الخشوع، وتحصيله أهم تحصيل ما دام “العلم الخشية”، كما قال الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه، وليس العلم بتكديس النقول وحفظ المتون -على ضرورتها وأهميتها- دون تربية إيمانية إحسانية عميقة، ودون وعي بمطالب الشرع الكبرى وسبل تنزيلها في الزمان والمكان والظروف. أول تنزيل هو تجديد الإيمان في القلوب بعدما بلي وشحذه حتى يصير يقينا راسخا ومعرفة نورانية تشع في أفراد الأمة حياة متجددة عبر الأجيال.

قال الله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِن عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ، العلم هو ما ورث الخشية في قلب صاحبه، وشعت نورانيته في جوارحه وجيرانه، وليس معلومات المحاضِر المجادِل الذي ينتفخ فيشا وادعاء وسفسطة حتى إذا ذُكرت عنده المهام الجِسام قعد ونكص على عقبيه وطلب عافية الجبناء. لهذا احتاج العلماء قبل غيرهم لمن يدلهم على الله تعالى ويزهد قلوبهم في حب الدنيا الذي هو رأس كل خطيئة، والذي لا تزيله القراءة والتصفح والتأليف، يحتاجون إلى تغيير الباطن كي تصلح النيات وتشحذ العزائم وترشد الإرادات وتُسدد الإنجازات، ويحتاجون إلى جهاد النفس حتى تتخلى عن الركون إلى الجاه والشهوة والاطمئنان إلى الدنيا، حتى تشرئب الأعناق إلى معالي الأمور: الفوز برضا الله والظفر بالنظر إلى وجهه الكريم.

لم تكن التربية النبوية ركونا إلى الانزواء، أو دعوة إلى الدروشة، ولكنها تزكية وتطهير، وتنمية وتنشئة على شُعب الإيمان وخِصاله، الشاملة لكل مجالات الحياة، وهي بضع وسبعون، حتى يرتقي العبد في سلك الذين آمنوا وعملوا الصالحات المخاطَبين في القرآن الكريم والمعنيين بزواجره وأوامره. مُحَيَّاكَ يَا عَالِمَ الْمُسْلِمِينَ *** سِرَاجٌ وَمَعْلَمَةٌ فِي الطَّرِيـقِ
أَنَرْتَ الْعُقُولَ وَصُغْتَ الْفُهُومَ *** وَحُطْتَ الشَّرِيعَةَ دُونَ الْمُرُوقِ
رَفَعْتَ نِدَانَا وَصُنْتَ حِمَانَا *** وَبِالرِّفْقِ تُمْسِكُ كَفَّ الْغَرِيقِ
3 ليست التربية مجرد تثقيف للفكر ولا مجرد تدريبٍ على أعمال مقطوعة عن الوحي والرسالة، بل هي إرادة للانجماع على الله عز وجل عبادة وعبودية وتوكلا ومراقبة ومحبة ومعرفة، حتى يضمن العبد الاستواء على الصراط النبوي القويم، صراط المُنعَم عليهم، في الدنيا بالتمكين في الأرض، التمكين على المنهاج النبوي، وفي الآخرة بالسعادة الأبدية: الفوز بالله عند لقاء الله.

طالع أيضا  رسالة العلماء في الإسلام بين الواجب والواقع 4/2

التربية الإيمانية اليقينية المتكاملة المتوازنة هي التي تودع في القلب حب الله تعالى وحب رسوله صلى الله عليه وسلم، والتصديق بوعد الله وموعود رسوله صلى الله عليه وسلم، وتغرس في العقل حكمة وسدادا وفهما عن الله، وتحفز الجوارح استجابة وقوة ورحمة بخلق الله ومخلوقاته.

تربيةٌ متكاملة ومجالاتها متداخلةٌ، همها الأسمى انجماع العبد على الله، حتى يصير همه الله، وكل همٍّ تفرع عن ذلك خدمةٌ لهذا الهدف الأسمى: القرب من الله عز وجل. هو حبة من العقد.

3- العلماء وتوحيد الأمة

تعيش أمتنا الإسلامية فترات فتنةٍ ووَهْنٍ وتكالبٍ للأعداء عليها، فهي القصعة التي تسر الآكلين بخيراتها فيتداعون إليها بشراهة لما قعد أصحابها عن حفظها وهْنًا وغثائية. ولا تُرفع أيادي الأكلة النهمة وتحرير القصعة إلا بقوة إيمان أصحابها وسعيهم الجماعي البنائي المتراص المتآخي، تعرُّضًا لسنة الله في نصرة المظلومين وتمكين الصالحين المصلحين، ولا شيء من هذا يقع ما لم يتقدم صف التحرير علماء عاملين جامعين بين الزاد القلبي والحجة العقلية والحكمة العملية، قدوة حية وسط الناس، يؤلفون على الخير ، ويدلون على الحق، ويأمرون بالمعروف، ويبذلون أنفسهم وأموالهم وأوقاتهم في سبيل الله والمستضعفين، ولا يخشون في الله لومة اللائمين، همهم جمع شتات الأمة ولم تشعثها وتوحيد طوائفها وتحرير أطرافها. وقد كان من آحاد العلماء دائما ولا يزالون رجالا يخشون الله ويتقونه في السراء والضراء وفي الشدة والرخاء، يتوسطون الأمة ويعيشون بين سوادها الأعظم، يعمرون المساجد ويخوضون الجهاد بأنواعه، وعلى ذلك يتحملون التبعات، محتسبين أمرهم إلى الله.

لكن تاريخ المسلمين في عمومه يشهد على أن أغلب فتراته غُيبت فيها مؤسسة العلماء كمؤسسة قائدة ومهيمنة، وتقلصت في زاوية التبعية والتهميش لمؤسسة الحُكم كمؤسسة مستولية بالسيف والعصبية والخداع والوراثة. فأمسى من طبيعة مؤسسة الحكم السعي إلى توسيع هوة القطيعة بين العلماء والسواد الأعظم من الأمة، كي ينطفئ نور الدعوة وينحبسَ في مواعظ باردة تسبح بحمدِ الحاكم وتقدسه، بل تُنعس المسلمين وتقتل فيهم الفطرة والمروءة والشهامة، وكأننا أمة ميتة مغلوبة مسلوبة لا رسالة لها ولا كرامة، وكأن العلماء مجرد مستخدمين في شركة الحاكم وعائلته. وهذا من مكر العبيد الظالمين لأنفسهم ولغيرهم، قساة القلوب ومرضى النفوس الذين يُريدُونَ أَن يُطفِئُوا نُورَ ٱللَّهِ بِأَفوَاهِهِم وَيَأبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ ولَو كَرِهَ ٱلكَٰفِرُون.

عبيد السلطة والمال لا يؤلفون القلوب ولا يجمعون الأمة -وأنى لهم ذلك؟-، بل من صميم عملهم تفرقة الأمة وزرع الأحقاد بين شعوبها. فمن يؤلف ويجمع ويوحد؟

طالع أيضا  رسالة العلماء في الإسلام بين الواجب والواقع 4/3

المهمة العظمى للعلماء هي إحياء القلوب بالإيمان وزرع الأمل في نفوس المسلمين والثقة في ما يدخره الله تعالى لهذه الأمة، وأن يشرحوا للناس ويبينوا لهم الخيرية والوسطية والخلافة والتمكين بمعانيها القرآنية النبوية لا كما يحرفها المؤولون، مع اليقين في أن الله عز وجل لا بد مغير حال الأمة إلى أحسن حال، مع العلم أن أمر التغيير ليس مرحلة ونزهة قصيرة، بل لا بد من شرط الوقت والجهد والبذل، ولا بد من توحيد الجهود وتجميع الطاقات وتنسيقها لأن ما أفسدته سنين الغفلة والعض والجبر لا يمكن إصلاحه في لحظات ولا هو في مقدور ذوات نكرات متفرقات.

مطلب عزيز أن يتآلف العلماء ويؤلفوا بين طوائف الأمة وأطرافها حتى يرتفعوا إلى مستوى المسؤولية الدعوية التغييرية، لو فعلوا ذلك لكان لهم شأن غير ما نرى، لو سلكوا منهاج السنة الكاملة الجامعة بدل الخصومة على السنن والخلافيات لسعوا إلى أن ينتشر الإسلام في العالمين وأن يدخل كل بيت حجر ووبر ومدر، وأن يتراجع أعداء الدين عن كيدهم، وأن تعز الأمة حتى يقاتِل معها الحجر والشجر. لو فعلوا ذلك لبلغوا بالأمة إلى حياة العزة والكرامة، وعلى أيديهم تنال التمكين والسيادة والقيادة في العالمين حيث الإسلام دين العالم وخلاصه من كل شر.

إنما يؤلف العلماء الربانيون، إنما يجمع الأتقياء. الحكماء الرحماء. تابع الإمام مالك أيوب السخستاني ثمانية أعوام وقيل عشرة، فلما وجده غزير الدمعة كثير الخشية قال مالك الآن نأخذ عن أيوب، ثم قال إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم. العلم خشية وليس نقول. من الله ووقوف ببابه ودلالة الناس عليه ففروا إلى الله، إني لكم منه نذير مبين.

يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين: ألا إن البحارين المهرة والغواصين على بصيرة من أهل الله أوليائه وأحبائه هم من يخرجون الأمة من ورطاتها) 4 .الأرض تحيا إذا ما عاش عالمها *** فإن يمت عالم منها يمت طرف
كالأرض تحيا إذا ما الغيث حل بها *** وإن نأى عاد في أكنافها التلف


[1] إحياء علوم الدين، جزء1 ص16.\
[2] رسالة الأزهر بين الأمس واليوم والغد، الدكتور يوسف القرضاوي، مكتبة وهبة، دون تاريخ، ص 15.\
[3] ديوان شذرات، 57.\
[4] عبد السلام ياسين، الإسلام غدا، مطابع النجاح، الدار البيضاء، ص 866.\