قال الله عز من قائل يحدثنا في محكم تنزيله عن فرعون: إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم انه كان من المفسدين.

بعد الزلزال الكبير الذي عرفته تونس واندحار النظام البوليسي لابن علي, ها هي مصر، التي قال عنها يوما حسني مبارك إنها ليست تونس، في طريقها للتغيير. هذا التغيير الذي سيكون مزعزعا لمجموعة من المباديء والنظريات التي انبنى عليها النظام العربي, وأسست عليها تحاليل المحليلين والمنظرين على اعتبار أن العالم العربي لا يمكن أن يعرف أي تغيير بعد سنوات من الاحباط والتدجين, وأن الشعوب التي أنهكت سنينا لم يبق لها هم سوى الخبز. لقد ظنت الأنظمة الاستبدادية في عالمنا العربي أنها استطاعت تدجين الشعوب وتكميم أفواهها من خلال برلمانات مغشوشة وأحزاب فارغة الغرض منها تبرير قرارات الحكام وتقديم الولاء مقابل عطايا مسروقة من أموال الشعب, أو من خلال المهرجانات الغناءية والرياضية; حيث أضحى الانتماء الوطني يتلخص في مباريات كرة القدم لا غير والتي تعمد من خلالها الأنظمة بث الفرقة بين الشعوب وشرذمة طاقتها كما حدث بين مصر والجزائر. جاء في كتاب “سنة الله” في الفصل الثالث (شفافية وانكشاف) للأستاذ عبد السلام ياسين: في بلاد الإسلام، على رقاب المسلمين، حكم من هذا النوع أو ذاك، وفي جميعها تَتَغَشَّى التنظيمات الموازية القاعدة الشعبية، وتقمع الدولة القاعدة بالجاسوسية وأجهزة “الأمن” والتخويف، وتغتال عنها الحقائق بالكذب الإعلامي، وتعتصر في السجون زهرة الشباب المُعَافَى من داء الخمول، وتستقطب بالترغيب والترهيب والرشوة والحيلة كل ضمير حي).

لكن الشعوب التي أهينت زمانا من خلال المنطق الفرعوني “ما أريكم إلا ما أرى” قالت كلمتها وكسرت حاجز الخوف والإرهاب الذي فرضته الأنظمة على شعوبها وأضحى الجميع يطلب ودها أحزابا وحكومات. إن هذا الطوفان الذي يعم الأمة من شرقها إلى غربها يشكل مخاضا لولادة جديدة تبعث الأمة من سباتها وتجعلها قائدة بعد ما كانت تابعة وديلية. بعد تونس حاول العديد من الحكام العرب اتخاذ بعض الاجراءات لامتصاص غضب الشعوب من قبيل تخفيض الأسعار وتوفير الشغل متناسين أن ما يحرك الشعوب هو الرغبة في الحرية والكرامة والعدالة؛ يقول الأستاذ عبد السلام: في أذن الجائع لا يسلك إلا صوت يبشر بالخبز، في وعي المقهور المحقور لا يتضح إلا برهان الحرية) 1 .

إن ما حدث في تونس ويحدث الآن في مصر, والذي سيحدث غدا في غيرها, جعل فرائص جميع الأنظمة العربية من الرباط إلى الرياض ترتعد رغم المحاولات المتتالية منهم لإبعاد شبهة أن يكون أحدهم اللاحق بجميع الوسائل. فقد منعت التجمعات وأعطيت الأوامر لمنع الاحتكاك مع الشعب ودفع بعض الشباب بتأسيس صفحات على الفيس بوك تسبح بحمد النظام كما هو الحال في المغرب, وتظهره أنه قاد الثورة قبل أن تبدأ في بعض الدول كما قال نبيل بن عبد الله الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية وغيره! كما تم منع الاحتجاج في الجزائر والأردن وسوريا حتى من أجل التضامن, كما عمدت بعض الأنظمة من دول الخليج وليبيا رشوة المواطنين من خلال تقديم إعانات مادية بهدف تخفيف حدة الاحتقان والاحتجاج كأن مطالب الشعوب خبزية فقط.

يجب ألا تنسينا الأحداث أن ما يقع الآن في العالم العربي والاسلامي هو تحقيق لسنة الله سبحانه وتعالى الذي يصنع في ملكوته, وتأكيد لموعود رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم الصادق المصدوق الذي بشر الأمة بخلافة ثانية على منهاج النبوة لن تكون إلا بكنس الفاسدين والمتسلطين من الحكام. روى الإمام أحمد من رواية الدارمي والبزار وفيه زيادة: “إن أول دينكم نبوة ورحمة، وتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله جل جلاله. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله جل جلاله. ثم تكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعه الله جل جلاله. ثم يكون ملكا جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله جل جلاله. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة تعمل في الناس بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويُلقي الإسلام بِجرانه (أي يستقر ويثبت) في الأرض، يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض، لا تدع السماء من قطر إلا صبته مدرارا، ولا تدع الأرض من نباتها وبركاتها شيئا إلا أخرجته”.

في فورة هذه الأحداث هناك محاولات عديدة للتعتيم على الدور المحوري الذي تلعبه الحركة الاسلامية في التغيير وحضورها الكبير وسط الشعب رغم القمع والمنع; وذلك من خلال العمل على تهميشها في التحالفات التي تطبخ في الخفاء والاعداد لمستقبل بلدانها كما حدث مع حركة النهضة في تونس ويحدث الآن مع الاخوان المسلمين في مصر وقد يحدث مستقبلا مع باقي الحركات الاسلامية في العالم العربي والإسلامي. كل ذلك بضغط من أمريكا, الغرب والكيان الصهيوني الذي بدأ يفقد أصدقاءه تباعا. بالإضافة إلى بعض المحسوبين على التيارات العلمانية التي تهدف إلى إفراغ أي اتفاق من كل ما يمت للإسلام بصلة أو يكون للإسلاميين أي حضور. إن الحركة الاسلامية رقم صعب لايمكن تجاوزه أو التغاضي عنه. وما الاستقبال الجماهيري الذي نظمه أبناء تونس للشيخ الغنوشي وتوقف الآلاف من المصريين للصلاة أثناء التظاهر لخير دليل على هذا الحضور. إن الحركة الإسلامية كانت دائما قائمة ضد الأنظمة الفاسدة والمتحكمة في رقاب العباد والبلاد في الوقت الذي انخرط المطبلول الحكام وموائدهم يزينون لهم المنكر ويقدمون لهم الفتاوى. إن الحركة الإسلامية كباقي مكونات الشعب تريد أن تساهم في التغيير من خلال ميثاق وطني جامع وتغيير للدستور يستظل تحتمه الجميع دون أن ينفرد أحد بالسلطة, لأن ما ينتظر الأمة يقتضي مشاركة الجميع دون استثناء.

وأخيرا وليس آخرا نعيد ماقاله الأستاذ عبد السلام ياسين في مذكرة “إلى من يهمه الأمر” وهو كلام يسري على جميع الحكام العرب: رُدَّ إلى شعبك ما سلب منه! تُب إلى الله وكفِّر عن خطاياك وخف ملك الملوك)!.


[1] كتاب: الإسلام وتحدي الماركسي اللينينية للأستاذ ياسين.\