مقدمة

من الركائز التي يحرص حكام المسلمين تأسيس شرعيتهم التاريخية عليها، أساس البيعة الشرعية، أو الطاعة المطلقة لولي الأمر، إماما بـ”العهد” أو “غالبا بالسيف”… طاعة هي من طاعة الله ورسوله فهما لقوله تعالى “أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم”، ولأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الآمرة بالسمع والطاعة وإن تأمر عبد حبشي…

فهم مؤول مبدل للمحجة البيضاء ليلها كنهارها..

منذ ما يزيد عن ثلاثين سنة، كتب مرشد جماعة العدل والإحسان الأستاذ عبد السلام ياسين حفظه الله رسالة “الإسلام أو الطوفان” لملك المغرب الراحل الحسن الثاني. فلماذا الإسلام أو الطوفان؟

إن حديث الأستاذ عبد السلام ياسين عن الإسلام حلا لواقع الوهن والذلة الذي تعانيه الأمة جمعاء يأخذ بالاعتبار التوصيف النبوي لمراحل المسلمين في التاريخ: مرحلة النبوة والخلافة الراشدة ثم الحكم العاض فالجبري فخلافة على منهاج النبوة بإذن الله تعالى، فالإسلام الذي يتحدث عنه الأستاذ ياسين ليس الإسلام الرسمي الذي تنادي به أنظمة الحكم الجبري اليوم لأنه بتوصيف الدكتور حاكم المطيري إسلام “مبدل”، بعد أن تعرض للتأويل في مرحلة الحكم العاض، إن الإسلام الذي يتحدث عنه الأستاذ عبد السلام ياسين هو الشريعة الغراء المنزلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، المطبقة في عهده صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه الراشدين رضوان الله عليهم، إسلام من أهم مبادئه:

1 ـ مبدأ العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم

يقول الدكتور حاكم المطيري في كتابه “الحرية أو الطوفان” متحدثا عن معالم الفقه السياسي في مرحلة النبوة والخلافة الراشدة وهي ما أسماه “مرحلة الفقه السياسي المنزل”:

العلاقة بين الأمة والإمام تقوم على أساس عقد بين طرفين تكون الأمة فيه هي الأصيل والإمام هو الوكيل عنها في إدارة شئونها، فالحكم والسلطة ليسا بالتفويض الإلهي وليسا بالحق الموروث، بل بعقد البيعة بين الأمة والإمام، وبهذا سبق الإسلام الغرب في تحديد الأساس الفلسفي الذي يتم بموجبه ممارسة السلطة لصلاحياتها وفق نظرية العقد الاجتماعي) 1 ، ويدلل على هذا الأمر بما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم بعقد بيعة العقبة الأولى والثانية، فقد بايع المسلمون بداية تشكل الدولة الإسلامية رسول الله صلى الله عليه وسلم وفق عقد يحدد وظائف كل طرف، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع وفود القبائل والمدن التي تدخل الإسلام طوعا ليؤكد أن العلاقة قائمة على أساس الاتفاق بين الطرفين، كما فعل مع وفد كنانة ووفد عامر بن صعصعة ووفد عقيل بن كعب ووفد مزينة…

مبدأ سار عليه الخلفاء الراشدون فكان العقد يوجب على الأمة السمع والطاعة، ويوجب على الحاكم السير فيهم بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم تطبيقا لأمر الله تعالى، دستور المسلمين.

2 ـ مبدأ حرية الأمة في اختيار الحاكم

تأسيسا على المبدأ السابق، كان واضحا في الفقه السياسي الإسلامي في مرحلة النبوة والخلافة الراشدة، أن للأمة الحق الكامل في اختيار من يحكمها، إن الحاكم في هذه المرحلة لم يأت لأنه ابن السابق أو قريبه، أو لعهد السابق له، إن العهد مجرد ترشيح يحق للأمة قبوله وإقراره أو رده ورفضه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ولو قدر أن عمر وطائفة معه بايعوه -يعني أبا بكر الصديق- وامتنع الصحابة عن البيعة لم يصر بذلك إماما، وإنما صار أبو بكر إماما بمبايعة جمهور الصحابة الذين هم أهل القدرة والشوكة)، وقال أيضا وكذلك عمر لما عهد إليه أبو بكر إنما صار إماما لما بايعوه وأطاعوه ولو قدر أنهم لم ينفذوا عهد أبي بكر ولم يبايعوه لم يصر إماما) 2 .

الأساس في تعيين الحاكم، رضا الأمة وقبولها له، يقول الدكتور حاكم المطيري ولا خلاف بين الصحابة في أنه لا بد لصحة البيعة من رضا الأمة واختيارها دون إكراه أو إجبار ولهذا قال أبو بكر للصحابة: أترضون بمن أستخلف عليكم؟ فإني والله ما ألوت من جهد الرأي -أي أنه استشار كثيرا- ولا وليت ذا قرابة، وإني قد استخلفت عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا، قالوا سمعنا وأطعنا… وفي رواية فأقروا بذلك جميعا ورضوا به وبايعوا) 3 . ويضيف ولوضوح هذا المبدأ أفتى مالك رحمه الله تعالى فتواه بأنه لا بيعة لمكره، عندما خرج محمد بن عبد الله بن الحسين ذو النفس الزكية سنة 145 هـ على أبي جعفر المنصور العباسي، وكان قد خرج بالمدينة، فاستفتى أهلها مالك بن أنس في الخروج معه مع أنهم سبق لهم أن بايعوا أبا جعفر المنصور، فقال مالك: إنما بايعتم مكرهين وليس على مكره يمين، فأسرع الناس إلى محمد ولزم مالك بيته.) 4

3 ـ مبدأ الشورى

الاختيار الحر والرضى التام مبنيان على أساس الشورى، على مرأى ومسمع من الجميع، الشورى الملزمة للحاكم والمحكوم وليست مجرد سياسة تنميق وتزويق وادعاء للإرادة الحرة، الشورى مساهمة الجميع في الرأي مباشرة أو عبر “العرفاء” وهم ممثلو الأمة ورموزها، وقد كان لها شأن مهم جدا في الحياة السياسية، حتى قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه “من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا” 5 .

وفي تاريخ المدينة 3/936 بإسناد صحيح أن عمر رضي الله عنه قال في خطبته “من دعا إلى إمارة لنفسه من غير مشورة المسلمين فلا يحل لكم إلا أن تقتلوه”.

وروى البيهقي بإسناد صحيح، أن عمر رضي الله عنه كان يستشير في الأمر حتى النساء وربما أخذ برأيهن، و“كان له مجلس شورى يحضره الكبار والصغار من أهل العلم.” 6

4 ـ مبدأ الحرية السياسية

نعني بالحرية السياسية، حرية الانتماء، وحرية الاختلاف، حرية نقد الحاكم ومناصحته والخروج عليه، وخلعه، حرية تأسست على أصول كانت تشكل دستور المسلمين، روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وقال حسن صحيح وابن ماجه وابن حبان وصححه، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه عمهم الله بعقابه”.

وقال صلى الله عليه وسلم “سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه، فقتله” 7 ، وقال أيضا صلى الله عليه وسلم: “إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم، فقد تودع منها” 8 .

أصول انبنت عليها حرية سياسية عظيمة تجلت في صور جلية واضحة فقد كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة من كان يضمر العداوة له صلى الله عليه وسلم ويكيده كالمنافقين في المدينة وكان يعرفهم ولم يتعرض لهم، وقد نزل قول الله تعالى في شأن زعيمهم عبد الله بن أبي ابن سلول (يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) وهذا عزم على إسقاط الدولة الإسلامية وإخراج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة، ومع ذلك لم يتعرض له النبي صلى الله عليه وسلم بشيء، بل قال بعد أن بلغه هذا الخبر عن ابن أبي ابن سلول وأراد بعض الصحابة قتله: (لا بل نحسن صحبته) وقال: (لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه) البخاري) 9 .

وروى أبو داود والنسائي بإسناد صحيح، أن رجلا دخل على أبي بكر فأغلظ القول له -قال له كلاما قويا- فقال أبو برزة الأسلمي: ألا أضرب عنقه يا خليفة رسول الله؟ فغضب أبو بكر أشد الغضب من هذه الكلمة التي قالها أبو برزة وقال: والله ما كانت لأحد بعد رسول الله.

وهؤلاء الخوارج، طائفة منظمة مسلحة خارجة على أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه كانوا يطعنون فيه وهو على المنبر، فلا يتعرض لهم، وقال: لهم علينا ثلاث: ألا نبدأهم بقتال ما لم يقاتلونا، وألا نمنعهم مساجد الله أن يذكروا فيها اسمه، وألا نحرمهم من الفيء ما دامت أيديهم مع أيدينا. 10 ثم اشترط مقابل ذلك عليهم فـ”“قال: على ألا تسفكوا دما حراما ولا تقطعوا سبيلا ولا تظلموا ذميا. قالت عائشة رضي الله عنها فلم قاتلهم إذا؟ قال عبد الله بن شداد: والله ما بعث إليهم حتى قطعوا السبيل وسفكوا الدماء واستحلوا الذمة.” 11

5 ـ مبدأ العدل والمساواة وتوزيع الثروة

من أقوى المبادئ التي تأسست عليها الدولة الإسلامية، تطبيقا لدستور والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان مبدأ العدل، وقسمة الثروة بين الجميع وضرب الحاكم المثل في التعفف عن المال العام..

ومن مظاهر هذا المبدأ، أن جعل الرسول صلى الله عليه وسلم لمن عمل عملا في مصالح المسلمين أن يتخذ زوجة إن كان عزبا، وأن يتخذ مسكنا إن لم يكن له مسكن، وأن يتخذ دابة وظهرا إن لم يكن له مركب 12 .

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي العزب حظا واحدا ويعطي الأهل المتزوج حظين 13 .

ولما ولي أبو بكر قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: افرضوا لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يغنيه، قالوا نعم، برداه -أي لباسه- إذا أخلقهما -أي بليا- وضعهما وأخذ مثلهما، وظهره -أي دابته- إذا سافر، ونفقته على أهله كما كان ينفق قبل أن يستخلف. قال أبو بكر رضي الله عنه: رضيت 14 .

وقالت عائشة: قسم أبي المال فأعطى الحر عشرة والمملوك عشرة والمرأة عشرة وأمتها عشرة، ثم قسم في العام الثاني فأعطاهم عشرين عشرين) 15 .

وقد سأل بعض الصحابة رضي الله عنهم بعد أن أصبح عمر خليفة، ما يحل له من بيت مال المسلمين؟ فقال: حلة في الشتاء وحلة في الصيف، وما أحج عليه وأعتمر، وقوتي وقوت أهلي كقوت رجل من قريش، ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، ثم أنا بعد رجل من المسلمين يصيبني ما أصابهم 16 .

وقد قيل لعمر: إن المال كثر بأيدي الناس حتى أنفقوه فيما ينبغي وما لا ينبغي، فقال: إنما هو حقهم أعطوه، وأنا أسعد بإعطائه إليهم منهم بأخذه فلا تحمدوني عليه، ولكني قد علمت فيه فضلا ولا ينبغي أن أحبسه عنهم. 17

ـ أما بعد

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في فقرة “خاتمة” من كتاب “العدل: الإسلاميون والحكم، مخاطبا الشرفاء العقلاء الفضلاء: … دعكم من “مجتمع مدني” يغدو ويروح على إيقاع الرقص الحداثي. وهلموا إلى مجتمع أخوي قاعدته جماعة المسلمين المتآلفة من أحزاب سياسية، ونقابات تـتآزر مع الأحزاب على كلمة العدل، وجمعيات، ومؤسسات، وشخصيات، وما شئتُم من تنظيمات،كل ذلك ينبض بروح الإسلام. وينطق بكلمة الإسلام، ويخدم أهداف الإسلام.

نُـزيل وإياكم العوائق الموروثة من طريقنا، ونُجَلِّي الغاشية عن أبصارنا وعقولنا التي تُضبِّبُ أمامنا مشهد الواقع، وتوَجُّه الواقع، وحتمية المستقبل. إنه يا قوم الإسلام أو الطوفان. وكفانا طوفانا ما ترون وتسمعون. واقع الاختلاف وشرعية الاختلاف مسلَّمة قَدَريّة. الاختلاف بآدابه ونظامه المؤسسي إثراء لفكر الأمة ما في ذلك شك. قتلتنا وفتكت بنا الزعامة الوحيدة المؤبدة، والفكر الوحيد المعصوم، والتنظيم الوحيد المسيطر.

هذا. وبصدق توبتنا إلى الله جميعا نحاول أن نجلس للحوار، ويُمضي من شاء الميثاق، بالنية الصادقة المتبرئة، ما شاء لها دين كلٍّ وشرف كلٍّ وعقلُ كلٍّ، من الآراء العنيدة، نطلب جميعا المصلحة العامة إن كان رائدَنا الحقُّ.)


[1] ص 16.\
[2] منهاج السنة 1/141.\
[3] ص 23، عن ابن سعد في الطبقات 3/149.\
[4] ابن جرير الطبري 4/427 سير أعلام النبلاء 8/80.\
[5] البخاري.\
[6] صحيح البخاري.\
[7] رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد.\
[8] رواه أحمد.\
[9] الحرية أو الطوفان ص 47.\
[10] مصنف ابن أبي شيبة 7/562.\
[11] رواه أحمد وأبو يعلى والحاكم وصححه. \
[12] الأموال ص 279.\
[13] رواه البخاري ومسلم.\
[14] طبقات ابن سعد 3/137.\
[15] طبقات ابن سعد 3/144.\
[16] طبقات ابن سعد 3/209 والأموال لأبي عبيد ص 281.\
[17] طبقات ابن سعد 3/226 ـ 227.\