تونس الأصغر حجما من بين بلدان المغرب العربي، الأقل تعدادا سكانيا، الأكثر تجرعا لمرارة القمع، الأكثر تعرضا لسهام التمييع. تونس نموذج المغرب العربي في الاقتصاد والأمن، هي في انتفاضة عارمة تدخل أسبوعها الخامس.

أحرق محمد البوعزيزي رحمه الله نفسه ليتخلص من الظلم الذي سد عليه أبواب الرزق وأغدق عليه المهانة والاحتقار. أضرم النار في جسده فانتقل لهيبها إلى قلوب أهل سيدي بوزيد و منها إلى عامة الشعب في تونس، لتشتعل انتفاضة عارمة تحرق الظالمين وتقوض صرح النظام المستبد.

هاج بحر الشعب الثائر يطالب بحقوقه في الخبز والعمل وعائدات الاقتصاد وشيء من الاحترام، مطالب شعبية عفوية في ظاهرها، سياسية في عمقها، إذ لا خبز ولا تشغيل وقسمة أرزاق ولا حرية ولا كرامة إلا بزوال صاحب الاستبداد وراعي الفساد، النظام المستبد.

نعرج على مسألة التأطير، و منها إلى سؤال مصير الانتفاضة وحضور الغرب في القضية، لنختم باستخلاص بعض العبر.

الانتفاضة والتأطير

فيما يخص مسألة التأطير، يقول الشارع التونسي إن الذي يقود انتفاضته هو البطالي المتخرج من الجامعة، هو المياوم الذي صادرت الشرطة عربته التي يقتات من دخلها، هو الأب والأم اللذان يتعبان طول النهار ليأخذا مقابل عملهما دنانير لا تكفي لمواكبة الزيادة في تلك المادة وتلك الضريبة. الذي يقود هذه الانتفاضة هو عامة الناس، لا أحزاب ولا حركات سياسية ولا منظمات مجتمع مدني، إلا من دخل منهم في كنف الشعب واصطف مع الجماهير.

هذا وضع غير مستغرب باعتبار سببه، ونتيجته متوقعة.

أما سببه فهو إقدام السلطة التونسية على ذبح الآخر، حتى ما بقي في الوجود السياسي سوى النظام الدكتاتوري ومن خصه بمقعد في مربعه من أحزابه ونقابته وإعلامه وماله وأمنه وجيشه، ذبح الآخر بما هو صوت معارض أو صاحب فكرة لا تنسجم مع إستراتيجية السلطة. والتاريخ يشهد كيف قضى بنعلي على المعارضة من حركات إسلامية ويسارية وقومية، وكيف اجتث أي وجود تأطيري لشرائح الشعب في الجامعات وميادين العمل ومنتديات الفكر والثقافة والأحياء السكنية. في ما عرف بحرب تجفيف المنابع. وإستراتيجية السلطة تتلخص في إبقاء المجتمع في حالة التخلف عن الركب و اللاوعي بالحقوق والواجبات اللذان يمكنان الطغمة المتحكمة ومن يقتات من فتاتها من الاستغناء، ويمكنان الغرب من الاستمرار في سيادة العالم وتعبيد الشعوب. وذلك باستعمال شتى الوسائل القذرة التي من بينها القمع الحديدي والتمييع الممنهج والتفقير، كلها على قاعدة المحافظة على مستوى اجتماعي اقتصادي ثقافي لا يصل إلا مستوى إثارة القلاقل الكبرى.

وعليه فلا غرابة نجد الشعب لما اشتد عليه الضغط ينزل بدون قيادة. وباعتبار الذبح الذي تعرضت له المعارضة الحقيقية، يلتمس لها العذر في عدم كونها في مستوى الحدث.

أما نتيجة انتفاضة الشعب بدون تأطير فهي كون نقمتها ووقعها على الظالمين أشد وأنكى، فهي توقف الظالمين وأتباع الظالمين ومن استرزق من ظلم الظالمين، بشكل مباشر أمام محكمة الشعب، التي قاضيها سنوات الكبت والقمع، وشرطيها المقهور المجوع المحقر، ولا محام ولا استئناف ولكن القصاص والجزاء.

فهل يعتبر باقي الطواغيت ويسمحوا ويوسعوا ما يسمى هامش معارضة؟ حتى إذا ما انتفض الشعب يوما أطرته لتستلم الحكم عبر وفاقات أو تنازلات تكون أرأف بالطواغيت من غضبة مدمرة محرقة.

الانتفاضة إلى أين؟

النخبة الحاكمة ورغم ما تظهره من قوة قبضتها الحديدية التي تمسك بها خيوط اللعبة السياسية وتحكم بها إغلاق الفضاء السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فهي لا تملك إلا أن تطبق سياسات الغرب الذي استخلفها في مستعمراته بعد الاحتقلال، شاء من شاء و أبى من أبى. أمريكا وفرنسا وباقي الغرب هذه الأيام في حالة طوارئ غير معلنة تتابع مجريات الأحداث وتوجه ما استطاعت توجيهه منها. وبالتالي فمناقشة القضية التونسية كما تحرك الشارع التونسي الشعبي منه والمؤطر، هما على أساس هش إذا تما بمعزل عن سياق الارتباط بالخارج و التدخل الخارجي.

بعد أسابيع من القتل والتنكيل الهمجي المتوحش الذي طال ساكنة سيدي بوزيد منزلا منزلا، والذي انتقل إلى باقي مدن تونس، بعد أسابيع، صرحت الخارجية الغربية بأنها قلقة من الاستعمال المفرط للقوة، وكأنها بتأخرها لإبدائها لموقفها ولمثل هذا موقف، كانت تنتظر نجاح عميلها في إفناء هذه الانتفاضة. فلما احتمالات أخرى بدأت تلوح في الأفق، ولما نجح الشباب التونسي في تكسير الطوق الإعلامي ونجح بالصدع بالقضية بالداخل وفي كل العالم، جاء الموقف الغربي. وما جاء إلا لاحتلال مواقع تؤهله للمناورة السياسية إذا حدثت المعجزة وانكسر الصنم و أزيح العميل.

الآن والبلد في مفترق الطرق، شعب بكامله في الشارع، حالة طوارئ وانفلات أمني، حل الحكومة وهروب الرئيس بنعلي، القوى المجتمعية خارج القضية، الغرب في عمقها، باعتبار كل هذا يطرح السؤال، الانتفاضة إلى أين؟

عرض الرئيس المخلوع السيناريو الأول متمثلا في حلول اقتصادية وتغييرات إدارية وإجراءات حقوقية وتوجهات سياسية، ومتمثلا كذلك في بقائه هو في السلطة. فكان الجواب في آنه في سيدي بوزيد وصفاقص ووهران وتونس العاصمة وغيرها. الكل ينادي ” بنعلي، اطلع برا” . وباستمرار الانتفاضة وازدياد نيرانها اشتعالا أبعد هذا السيناريو.

فلما استبعد كل احتمال لبقاء بنعلي في السلطة وأيس الغرب تتقدمه أمريكا وفرنسا من المحافظة على هذا الخادم العميل الوفي الذي دعمته ثلاثة وعشرين سنة، وظلت تدعمه سياسيا واقتصاديا وإعلاميا في عز الأزمة، عندها صرح باراك أوباما بأن الشعب التونسي شعب بطل؟ وعندها رفضت فرنسا استقبال ابنها المدلل لما هرب لاجئا إليها. فعلى الشعب التونسي أن ينتبه لمؤامرة هذه الحية التي لا يهمها لا الشعب التونسي ولا حتى الرئيس المخلوع، الذي يهمها فقط هو الحفاظ على مصالحها ونفوذها، وعليه تكون المواقف الغربية التي جاءت بعد الإطاحة ببنعلي بمثابة طوق نجاة لمصالحها وبمثابة تموقع يسمح لها بالمناورة في الخريطة التونسية لتوجيه ما يمكن توجيهه حتى تتبث أركان نظام سياسي أقل ما قد تشترطه فيه أن لا يكون ذا توجه دول الممانعة.

وبفشل الغرب في تحقيق السناريو الأول، سيشمر على ساعديه ويكشف عن ساقيه ويخوض لجج السيناريوهات الأخرى.

إذا ما نجحت الانتفاضة في الإطاحة بنظام بنعلي “نهائيا” وهو المطلب الأول، فستكون بين توجهين اثنين في مسألة البديل، وهو المطلب الثاني، وهو المطلب الأهم، والمطلب الأكثر صعوبة، على الأقل باعتبار تجربة 1987.

يتمثل التوجه الأول في تعويض رموز السلطة الحاليين بشخصيات تونسية مدنية أو عسكرية حسب المؤسسات المتدخلة، إما المؤسسات الدستورية أو الجيش، ويرافق ذلك تأسيس حكومة انتقالية ووعود بإجراء انتخابات وتشكيل حكومة ائتلافية. هذا الخيار مفتوح على إمكانية بروز قيادة وطنية تتسم بالتعددية وتقسيم السلط، ومفتوح كذلك على نشأة بنعلي جديد. وستفرض الظروف على الشعب التونسي أن يسير على هذا التوجه لما قد تشهده أوضاعه المعيشية و الأمنية. فمسايرته لهذا التوجه هو أدعى للإسراع إلى تغطية الفراغ الذي سيخلفه رحيل سلطة بنعلي. وللغرب ولأصحاب المصالح المباشرة كالمتنفذين في النظام البائد وغير المباشرة كطواغيت الجوار، لهم أساليبهم في الدفع بالشعب إلى استعجال الحل بل وإلى طلب الأمن بأي ثمن ولو برجوع طاغية آخر. ولعل ما يتناقله التونسيون عبر وسائل الإعلام الاجتماعي من قيام مجموعات منظمة بنشر الفوضى في البلاد من ببن تلك الأساليب.

التوجه الثاني هو اجتماع الشعب بكل مكوناته ومناطقه، بمثقفيه وقياداته السياسية في الداخل والخارج وبأمنه وجيشه وبكل ذي مروءة يداه نظيفتان من مشاركة النظام البائد جوره. اجتماع الشعب على كلمة سواء، على ميثاق وطني أو ما شابه، يحدد فيه التونسيون أي نظام حكم يريدون، وأي إجراءات عملية يتخدون. هذا التوجه لا ضير سيتأسس على مطالب العدل والكرامة والحرية. فلا يعقل أن يتنازل شعب عنها وزمام الأمر في يديه. ولكن وباعتبار هذه المطالب جوهر التهديد للمشروع الغربي وللوجود الغربي، فسيكون للغرب رأي آخر وموقف معارض. مما سيحتم على التونسيين أن يكونوا في المستوى المطلوب من الوعي، والمستوى المطلوب من التنظيم، حتى يستكملوا صناعة التاريخ.

خلاصات وعبر

1. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله ليمهل للظالم فإذا أخذه لم يفلته”. إن الظلم مهما طال لابد أن يأتي عليه يوم يجتث اجتثاثا. كيف لا ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب؟

2. القبضة الحديدية، الأسطورة الأمنية، نظام الرعب المحكم المتحكم، سقوطه ممكن.

3. شدة الظلم والقهر تزيد في شدة الانتفاضة وقوتها.

4. البهرجة الإعلامية وتزييف حقائق الوضع الاقتصادي والاجتماعي لا يعفي النظم المتسلطة من الزلزال.

5. التغيير ممكن، وتونس اليوم قدمت النموذج لشعوب العالم المقهورة وخاصة الشعوب العربية. وهذا جهاد نموذج حسب أنواع الجهاد التي يتحدث عنها الأستاذ عبد السلام ياسين في كتابه المنهاج النبوي، تربية وتنظيما وزحفا.

6. الشعب التونسي وإن من المحتمل أن يلتف على انتفاضته فلا تحقق أهدافها كاملة، فهو حقق الأهم، الأهم من إسقاط النظام الفزاعة، ألا وهو بناء الوعي وفرض فضاء الحرية، اللذين سيؤثثان لإقامة نظام مجتمعي أكثر تماسكا، وهذا كذلك هو الهدف الإستراتيجي للأمة.

7. عالم الألفية الثالثة ليس هو علم الثمانينيات والسبعينيات حيث كانت أجساد المعارضين التونسيين تحرق ليلا ونهارا في سجون الجور ولا من يعرف عنها شيئا. والتونسيون في هذه المعركة قدموا نموذجا في الحس الإعلامي الرفيع، حيث أن كل حدث ينقل في آنه إلى كل التوانسة ومنهم إلى كل العالم. فكسروا بذلك الطوق الإعلامي لنظام بنعلي مستعملين تكنولوجيا الإعلام الحديث.

8. في حالة الشدة يسعى الديكتاتور إلى التضحية بكل شيء للبقاء على العرش بما في ذلك وزراؤه ومقربوه.

9. الغرب حرباء ماكرة يجب ألا يوثق بها وألا تؤتمن على مشروع شعبي. وما مباركتها لنظام بنعلي طوال الثلاثة وعشرين سنة من القمع الحديدي الناري ثم إنكارها له وبكل احتقار إلا دليل على حربائيتها ووصوليتها. وإن استلزمها الأمر ذبح بنعلي – لإرضاء التوانسة – والمحافظة على مصالحها لفعلت. وربما نسمع ذلك في محكمة دولية قريبا.

10. بطولة محمد المعزوزي وشعبية الانتفاضة لا يجب أن تدفع بالشعب إلى الكفر بالعمل الجماعي التكتلي المنظم وبالأطياف السياسية التي غابت عن التأطير. فمن جهة، الانجاز التاريخي هو نتيجة لجهود كل من بذل وإن لم يعلم به أحد سوى الله عز و جل، ومن بردت عظامهم في سجون الذل لعقود من الزمن، ومن قضوا نحبهم، ومن نفوا، ومن ومن..، ما أقدم عليه المعزوزي كان القطرة التي أفاضت الكأس الممتلئ ببحر من القطرات. ومن جهة ثانية، التأطير والتنظيم ضرورة لأن لا تسرق ثمرة الانتفاضة.

11. حقا، الحرية تستحق أن تبذل من أجلها الأرواح والدماء، فالعيش في الذل والمهانة هو الموت بعينه، والموت في سبيل الله ومن أجل الحرية هو الحياة الحقيقية. وعليه فلم الخوف من تقديم ثمن الحرية والشعوب تقدم أكثر منها جراء السياسات الظالمة للطواغيت في تدبير الشأن العام.