باتت “الثورة البوعزيزية” التونسية إلهاما ومثالا للشعوب العربية المصطلية بلهيب الظلم والاستبداد الذي يفرضه حكام الجبر وأحزابهم على المواطن العربي البسيط، وسارت شعوب معظم الدول العربية تتوق لأن تتحقق التجربة الشعبية التونسية، وإن كانت لم تجد بعد صبغتها النهائية المرجوة، في خلع النظام الحاكم وفراره من الميدان وإن كان بسبائك الذهب ومدخرات الدولة.

لكن اللافت للنظر والجدير بالملاحظة، أن الأوضاع السياسية والمخزنية في الدول العربية تختلف من قطر إلى آخر، من حيث مدى التحكم في مختلف السلط والجيش والأمن، فإن كان الوضع في تونس قد سمح بخلع الرئيس وتنحيته، فإن الوضع في بعض الدول العربية يبدو مستعصيا من الناحية الواقعية للمشهد السياسي والأمني، زد على هذا أن الرئاسة التونسية لم يسبق لها أن وضعت في وضع مماثل للانتفاضة الحالية، مما يجعل ارتباكها وتفاعلها مع الوضع غير نؤهل لاحتواء فعال.

القطر المصري يعيش وضعا مخالفا لما عليه الوضع في تونس، وإن كان نجاح الثورة فيه إن حصل سيلهب الشارع العربي بأكمله، فالرئاسة المصرية لها من “المكتسبات” القمعية للشعب تجاربُ عديدة، ولها إمكانات هائلة على مستوى الاستعداد الأمني في مواجهة المظاهرات وتوقيفها قد تصل إلى حد التضحية بنصف الشعب لبقاء “الأمن والاستقرار”.

زد على ذلك هيمنة الرئاسة على مختلف الحياة الأمنية والعسكرية والدينية والسياسية وإحاطتها بكل ما يجري ويدور عبر تفعيل دور الأمن والعسكر والجيش والمخابرات، بالإضافة إلى الدعم الذي يلقاه الرئيس المصري وحكومته من طرف الدول العربية التي يبدو أنها تساند بعضها بعضا من أجل إبقاء الهيمنة الحالية على الشعوب.

هذا ويبقى العنصر المهم هو استحواذ الرئاسة المصرية على عناصر الجيش وائتمار هذا الأخير بأمر الرئيس. لكن استحواذ الرئيس المصري بالسطوة والسلطة لعقود عديدة منذ مقتل أنور السادات ومحاولاته العديدة لتوريث الحكم المصري لنجله وتحكمه في الحياة السياسية يبقي الوضع متأزما خصوصا وأن “الثورة التونسية” لا زالت مشتعلة ومستعرة.