عممت وزارة تدبير الشأن الديني خطبة جمعة على مساجد البلاد في خطوة استباقية لامتصاص أي غضب شعبي، لا سيما بعد نجاح التجربة التونسية وبوادر غضبة شعبية في أم الدنيا: مصر، التي دخلت فيها الاحتجاجات يومها الرابع بعد التداعي لجعل الجمعة 28 يناير 2011 يوم غضب شعبي، تدل مؤشراته الأولى أن الحركات الاحتجاجية آخذة في التبلور بعد تجاوز حاجز الخوف من الاعتصام في الشارع العام المجرم بمقتضى قانون الطوارئ المعتمد منذ أكثر من عقدين من الزمن.

خطبة اختارت حب الوطن موضوعا واعتبرته -أي حب الوطن- من مقتضيات الإيمان استنادا للسيرة النبوية العطرة. قرار اختيار الموضوع وتعميمه لا سياق له ما دام الظرف لا يتزامن ومناسبة وطنية تبرر القرار إلا أن يكون إجراءً استباقيا يعتبر المغرب رائدا فيه من قبيل تمديد العطل المدرسية أو تعجيلها.

وبالعودة إلى الخطبة التي تعكس موقفا رسميا من موضوع “حب الوطن” فإنها جاءت غير متماسكة الأفكار ضعيفة الحجة إقناعا؛ وبالتالي لا يمكن أن تحقق الأهداف متمثلة في إبعاد فكرة الاحتجاج من الأذهان باعتبار ذلك يخدش في حب الوطن المأمور به شرعا.

لقد ركزت الخطبة على تعلق رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ولو لم يخرجه أهله منها ما خرج، ونسي محرر الخطبة -فردا أو لجنة- أن حبه صلى الله عليه وسلم لمكة لم يمنعه من مواجهة نظامها الشركي، بل إن تصديه للنظام الوثني عقيدة وللنظام الاستعبادي الطبقي اجتماعا وللنظام الربوي الاستغلالي اقتصادا تعبير منه صلى الله عليه وسلم على حب حقيقي لبلده مكة لتقود مشروع بناء نظام اجتماعي عادل أساسه الكرامة الآدمية للإنسان وسياجه منظومة قيم تؤسس لمجتمع العمران الأخوي يشع من خلال مكة على العالم.

لذلك وجب التنبيه على أن لا جدال في حب الأوطان، وأن للوطنية حقوقا وواجبات:

فالحقوق تتلخص في التضحية من أجل بناء ورقي واستقلال الوطن، فلا معنى للحب دون تضحية وبذل للغالي والنفيس من أجل الوطن. تضحية واجبة وجوب عين على الأفراد دون استثناء، كل في مجال اختصاصه تلميذا كان أو طالبا أو موظفا أو فلاحا أو جنديا أو سياسيا أو اقتصاديا. وعلى قدر تضافر جهود الجميع وصلاح النيات يرقى الوطن ويزدهر.

أما الواجبات التي تجاهلتها الخطبة -على وجه الخصوص- فتتمثل في توفير أسباب الكرامة: تعليم وتطبيب وسكن وشغل وحريات رأي وتعبير ونقد ومعارضة واقتراح من خلال عمل سياسي جاد ونضال نقابي مسؤول ومجتمع مدني مستقل ضمانا لانخراط فاعل وفعال في بناء الوطن.

واجبات يؤطرها نظام سياسي يقوم على مشروع مجتمعي ينسجم وهوية المجتمع، ويحميه دستور يحدد الصلاحيات ويقنن ممارسة السلط حماية لحقوق الأفراد واستقرار البلد.

الوطنية حب الوطن وحب الخير له لينعم بالأمن ومتطلباته: استقرار سياسي وعدل اجتماعي ورخاء اقتصادي ومناعة خلقية ترسخ حب الوطن في القلوب وتعطي معنى حقيقيا للمواطنة، لا أن يشعر بانتفاء هذه الشروط أنه مجرد مقيم في بلد، أو أنه مواطن من درجة ثالثة أو رابعة حيث لا حقوق ولا كرامة. عندها تصبح مثل هذه الخطب عديمة الجدوى إن لم نقل مؤشرة على اعتراف ضمني بالتقصير في حق الشعب وتحديدا في حق فئات ترزح تحت ألوان شتى من المعاناة والتهميش.