لطالما نفخ الإفراط في الإطراء والمبالغة في المديح رؤوسا وهي لا تدري أنها آيلة إلى حتفها, فلا تنتبه من سكرتها إلا بعد انقضاء الأمر وفوات الأوان. فشعورها بالعظمة والخيلاء بالاعتماد على أعتى آلات القمع والجبروت ووسائل التركيع والاستعباد, لا يلبث أن يبلغ بها درجة الإحساس بل حد الاعتقاد بكونها فوق البشر, وأن البشر ما وجد إلا لخدمتها وتمجيدها وفق طقوس أعدتها سدنة معابدها الطاغوتية.

منذ أكثر من ثلاثة عقود كان سقوط الشاه في إيران مدويا على إثر ثورة شعبية بقيادة الإمام الخميني رحمه الله, وقد كان الشاه رضا بهلوي يلقب بملك الملوك “شاهنشاه” وكانت نسبة بوليسه السري والعلني في شعبه من أكثر النسب في العالم إن لم أقل أكثرها على الإطلاق, وكان يستقبل بالزهور وتنثر عليه الورود في استعراضاته ومحافله, وكان شأن كبير في أمريكا والعالم؛ لكن ما إن جاءت الفرصة التاريخية حتى رمي بالأشواك وخر عرش “استعصى على الزوال”.

هاهي القصة العجيبة تتكرر في تونس العظمى, لقد حرص الرئيس الديكتاتور على الظهور بمظهر الزعيم المحبوب المحبور بعطر الورود والعطوف على أبناء شعبه زورا, وأبدع من آليات الحيطة والحذر ما لا يخطر على البال, وأذاق البلاد والعباد الأمرين ونشر الرعب والإرهاب, وتجاوزت نسبة بوليسه من مجموع سكان البلد النسبة التي اتخذها شاه إيران بكثير, ومن غريب الأقدار أن هذا البوليس الذي هيأه لحراسته وحمايته هو الذي أوقد برعوناته الشرارة الأولى للغضب العارم الذي أطاح بنظامه وأرغمه على الفرار مذعورا غير مأسوف عليه, في واحدة من أكثر الثورات الشعبية إثارة, حيث أذهلت العالم بكرونولوجية أحداثها ونوعيتها وشعاراتها ومطالبها, في بلد صغير ديموغرافيا وجغرافيا.

ما أعظم بسالة وشجاعة شباب تونس عندما خلع لباس الجبن والخوف وأقبل مهاجما على الموت وسطر التاريخ المجيد.

هناك عبر من هذا القبيل في أمم أخرى وعلى مدى تاريخ الإنسانية لا يتسع المجال لذكرها, نكتفي بالإشارة إلى “تشاوسسكو” رومانيا, وهو من هو, وكيف انتهى مصيره إلى محكمة ثم مشنقة على رؤوس الأشهاد.

ومن عجيب صنع الله جلت عظمته بهؤلاء الجبابرة أن ينكرهم أسيادهم وأصدقاؤهم بالأمس ويتخلون عنهم بمجرد أن تلفظهم الشعوب, ويبتعدوا عنهم ابتعاد الناس من الأجرب ذلك بما كسبت أيديهم, وما ربك بظلام للعبيد.

تلك سنة الله في الديكتاتوريين المستبدين. كلمة أخيرة هي نصيحة إلى حكام العض والجبر: لا يغرنكم نثر الورود.