أجرت جريدة التجديد حوارا مع الدكتور عمر أمكاسو، عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان ونائب الأمين العام للدائرة السياسية، في عددها الصادر يوم الجمعة 28 يناير 2011، حول ما عاشته تونس من انتفاضة وتغيير، وإمكانية إسقاط ذلك على المغرب، ونقاط التباين والتشابه بين البلدين، والدروس المستفادة من كل ذلك.

نعيد نشر الحوار تعميما للفائدة:

كيف تقرؤون كحركة ثورة الشعب التونسي؟

بسم الله الرحمان الرحيم، في البدء لا نملك إلا أن نبارك ونفرح بهبة الشعب التونسي ضد الظلم والقمع والاستبداد. والقراءة التي لا ينبغي أن يغفل عنها أحد، هو أن هذه الهبة المباركة هي رد فعل طبيعي على نظام مستبد خنق الحريات واستأثر بالسلطة والثورة لمدة ثلاثة عقود وحرم الشعب من جميع أشكال التعبير، بل حرمه من الكرامة والحرية.

في تقديري، ليست القومة التونسية هبة على البطالة، وإن كانت البطالة من بين أسبابها الأولى، فالذي تبدى من تداعياتها وتطوراتها أنها أصبحت ذات أفق سياسي واسع. ولذلك، في اعتقادي، يبقى العنوان العام المؤطر هو مناهضة الظلم الطبقي والقومة على الاستبداد السياسي. ويمكن أن نعتبر الأمر ثورة اجتماعية واقتصادية وسياسية بالمعنى الحضاري للكلمة.

لقد أكدت هذه الهبة بالملموس أن ما يتذرع به البعض، باسم الواقعية السياسية، أن الظروف الإقليمية والدولية، وصعوبة التغيير في ظلها، لقد أثبتت هذه الثورة أن هذه التبريرات والذرائع هي مجرد أوهام مثبطة، وأن الشعوب تملك قرارها، ويمكن أن تغير الوضع بإرادتها، وألا أحد يستطيع أن يوقفها، لا التحالفات الدولية ولا المصالح الإقليمية ولا الرهانات الاستراتيجية، إن هي قررت التغيير وقد صدق أبو القاسم الشابي التونسي حين قال إذا الشعب يوما أراد الحياة *** فلا بد أن يستجيب القدرفالاعتبار الأول للشعب، والثقة بقدرته على التغيير أمر لا ينبغي الاستهانة به بحجة الواقعية. لقد برهنت هذه الهبة على أن التغيير يأتي من الشعب، وهو ما كنا نؤكده وكنا نوصف حينها بكوننا مثاليين أو حالمين واليوم تثبت الثورة التونسية صوابية ما كنا نؤكده.

هل يمكن الحديث عن انتقال الحالة التونسية إلى المغرب؟

بغض النظر عن الاختلافات الشكلية أو الجوهرية بين الحالة التونسية والحالة المغربية، وبغض النظر عن التوصيفات التي يمكن أن توصف بها كل حالة على حدة، فإن العنوان العام للأوضاع في كل بلدان العالم العربي هو الاستبداد والانفراد بالسلطة واحتكارها. ولذلك، لا أحد يستطيع أن يتوقع ما يمكن أن يحدث في المغرب أو غيره في البلدان العربية، فكل شيء منتظر. لكن هذا لا يعني أن نغفل عن الاختلافات الموجودة. ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار أن تونس كانت تمثل حالة خاصة من الاستبداد. فعلى سبيا المثال، فإنها على مستوى التعامل مع الحركة الإسلامية انتهجت خيار تجفيف المنابع والاستئصال وامتد هذا التعاطي ليشمل بقية مكونات المعارضة، في حين اختار النظام المغربي المزاوجة بين خيار الحصار والاحتواء لمكونات الحركة الإسلامية في المغرب، بينما اختار النظام المصري خيار الإقصاء والتهميش، فهذه أشكال متفاوتة يجمعها عنوان الاستبداد وإن كان في تونس يمثل حالة خاصة. ثم لا ينبغي أن نغفل أيضا أن الحالة التونسية انعدم فيها الوسطاء من مكونات المجتمع أحزابا سياسية ونقابات وهيئات مدنية، وهو ما لم تصل إليه الحالة المغربية، وإن كانت ماضية إليه نتيجة فقدان هؤلاء الوسطاء لمصداقيتهم أمام الشعب. فالانتخابات تؤكد هذه الحقيقة، والتطورات التي عرفها المشهد السياسي، وما صاحبها من بروز الوافد الجديد، كل ذلك يسير في اتجاه مزيد من فقدان الثقة في مصداقية الأحزاب. وهو ما يدفع إلى الاعتقاد بأن المغرب يمكن أن يصل إلى الدرجة التي لن يستمع فيها الشعب للأحزاب ولا لغيرها من الهيئات الوسيطة.

في نظركم ما الجواب الذي تقدمونه لتفادي السقوط في شروط الحالة التونسية؟

نحن ما فتئنا نؤكد على ضرورة الحوار، وأعتقد أن الثورة التونسية وفرت الفرصة لنا للتوجه إلى مزيد من التواصل والتلاحم وإعادة التأكيد على راهنية إحداث تغيير مبدؤه ومفتاحه مقاربة جماعية من شأنها سد الطريق على جميع أشكال الحرائق. لقد سبق أن دعونا في جماعة العدل والإحسان إلى ميثاق تتداعى له كل الأطراف وتعمل بشكل جماعي ويمكن لعملها أن يستمر عقودا من أجل دفع أصحاب القرار إلى مراجعة أسلوبهم في الحكم والقطع مع منطق الاستبداد. صحيح أن هناك فوارق بين الحالة التونسية والحالة المغربية، لكن لا ينبغي أن ننسى أن الواقع الاجتماعي والاقتصادي قد يكون أسوأ في المغرب منه في تونس، وقد برزت في الآونة الأخيرة بوادر في بعض المدن تؤشر على إمكانية أن يعرف المغرب توترات اجتماعية، ويكفي أن نشير في هذا الصدد إلى أن إحراق النفس واتخاذ ذلك وسيلة للاحتجاج هو إبداع وابتكار مغربي محض.

ولذلك، نؤكد بأن بلدنا ليس بمنأى عن هذه الأحداث ما لم نتجه بشكل جماعي إلى الحوار وتجسيد مزيد من التواصل والتلاحم والتفكير بشكل جماعي ضمن ميثاق جامع لكل الأطراف يضمن العمل المتآلف من أجل تغيير أسلوب الحكم والقطع مع الاستبداد.