في مقالات سابقة وخاصة تلك التي تتحدث عن قضايا فلسطين والأمة كنت أجزم بأن الداء المزمن الذي يعاني منه العرب والمسلمون والذي يسبب لهم كل هذه الانتكاسات والارتكاسات هو حكام الهزيمة العرب الذين يشكلون حائلا وعائقا مزمنا ضد أي بعث جديد للأمة، والذين يُسخرون إمكانياتها ومقدّراتها لحماية كراسيهم ومصالحهم، كنت أجزم بأن الداء المزمن هو هذه الأنظمة الشمولية الاستبدادية التي تحكم العرب والمسلمين بقبضة من حديد ولا تراعي فيهم إلا ولا ذمة، وكنت أجزم بأن نهضة البلاد العربية والإسلامية تمر وجوبا بتحريرها من هذه الأنظمة الشمولية وحكام السوء هؤلاء المسترخين على أرائكهم، المستسلمين لصفعات السنين، المسئولين عن النزيف الذي يمتص دماء الشعوب، الثابتين على كراسيهم ثبات الأوتاد ولا يريدون أن يغادروا مغادرة طوعية، وكنت أرى أن على هؤلاء جميعا أن يرحلوا وينصرفوا ويعتزلوا الحياة السياسية -نهائيا- كشرط للتغيير العميق، وانتخاب حكام تختارهم الشعوب ليستمعوا لنبضها لا لنبض الهواتف والتعليمات والمصالح، أما دون ذلك فسيبقى الحال كما هو عليه بل سيزداد سوءا.

وكنا كلما كتبنا ذلك كلما كان بعض الأصدقاء والزملاء يعتبرون ذلك حلا حالما ومثاليا وبعيدا عن الواقع، حتى إن أحدهم قال لي ذات حوار: لن يتحقق ما تقول (ويقصد انتفاضة الشعوب ضد حاكميها المستبدين) إلا إذا طلعت الشمس من مغربها لأن الشعوب انتهت وأنهكها الجوع)، هذا الصديق اتصل بي لحظة إذاعة خبر رحيل بن علي وقال: يبدو أنني كنت على خطإ وأن قراءتك كانت صحيحة)، والحقيقة أن الأمر لا يحتاج إلى قراءة “ولا هم يحزنون”، فالشعوب قد تضعف، قد تصمت، قد تسكت، قد يصيبها الوهن ولزمن طويل، لكنها -البتة- لن تستكين، لن تقبل الظلم، لن تُطَبِّع مع الاستبداد، إذ ذاك يتحول الضغط إلى انفجار، والصمت إلى صراخ، وما أخطر صراخ الصمت لأنه يذهب بالكراسي والأوتاد. فمن كان يظن بأن الشعب التونسي سينتفض يوما وبذلك الحجم حتى أسقط إحدى أعتى الدكتاتوريات في العالم؟ من كان يظن بأن الشعب المصري سيُشعل الشارع بالاحتجاجات والتظاهرات العارمة حتى أصبحنا على وشك سقوط النظام الغارق في الفساد والاستبداد؟ إنها خطوات في الطريق الصحيح طريق تحرير العرب والمسلمين وبعثهما من جديد.

هنيئا لك يا محمد البوعزيزي فقد أصبحت قائد الانتفاضة العربية وليس التونسية فحسب، هنيئا للعرب والمسلمين بهذه الانتفاضات المباركة فهي دليل على الكرامة والشرف والعزة والإباء، دليل على أن العرب والمسلمين قادرون على فعل الكثير شريطة أن يُرَحَّل هؤلاء الحكام العجزة العاجزون، هنيئا للشباب الذي حول “الفايسبوك” من وسيلة للإلهاء إلى منتدى للحوار والنقاش بل وإطلاق شرارات الانتفاضات، فإذا كانت الأنظمة الاستبدادية الشمولية قد تحكمت منذ عقود في وسائل الإعلام المختلفة، وجعلتها “بوقا” لإنجازات وهمية فارغة، فإن ظهور وسائل إعلام جديدة كالمدونات، والفايسبوك، والهواتف المحمولة كسر ذلك الاحتكار الرسمي، وكَشَف المستور، وفضح التجاوزات والانحرافات.

لقد دقت ساعة الحقيقة، وأفل نجم الظلم، وبزغ فجر العرب والمسلمين، وما النصر إلا صبر ساعة، فليكن الشعار: تصدير “الثورة”.