الإطاحة بنظام فاسد تجدر واستأسد على رقاب الشعب لما يزيد عن نصف قرن في دولة تونس منذ استقلالها سنة 1956، حَفَزَ العديد من دول العالم العربي إلى الخروج إلى الشارع، وجعَل مسألة تصدير الثورة إلى هاته الدول وغيرها أمرا واردا بل وحتميا. ففي مصر والجزائر وموريتانيا واليمن أضرم المحتجون النار في أنفسهم في محاولة لنسخ الفعل الذي ساهم في إطلاق الشرارة الأولى لانتفاضة الياسمين في تونس. فما وقع في تونس الخضراء يُظهر بوضوح أن المستحيل ممكن، وهو بذلك يكسر جميع التكهنات والدراسات القائلة بأن الشعوب العربية في سبات عميق، وبأن إسقاط الطغمة الحاكمة الفاسدة يكاد يكون من سابع المستحيلات. والقول بأن ما وقع بتونس هو أمر لصيق وخاص بالوضع فيها وأنه يستعصي على الاستنساخ في باقي دول المنطقة لهو قولُ من يهرف بما لا يعرف، ولهو خطاب رسمي لكل الأنظمة الاستبدادية التي تتوارى خلف خشيتها تكرارَ الأنموذج التونسي عندها. ذلك هو شأن الدولة البوليسية الاستبدادية الجبرية التي يكون فيها الحاكم بمنجاةٍ من كل حساب، يكون صَنَماً، ويكون عامة الناس في الحصار التجسسي والتحقير والتعسف والظلم. وليس من الضروري أن يكون الدرس من حجم غزو العراق حتى ترعوي الأنظمة الاستبدادية.

إن ربقة “دين الانقياد” حول عُنُقِنا لا تنفَضُّ إن لم نضع حدا للاستبـداد، وإن لم نبن سَدّاً أمام النزعة الاستبدادية، وإن لم نُغلق الذرائع التي دخل إلينا منها الماضي ويهددنا بالدخول في المستقبل حكم السيف.

وهاهو السيل الجارف من السخط الشعبي بدأ يجتاح عالمنا العربي. إن الإطاحة بنظام بنعلي بعد احتجاجات عنيفة لَتحذيرٌ صارخ للأنظمة الاستبدادية في أنحاء العالم العربي والتي سامت وتسوم شعوبها ألوانا وأصنافا من العسف والجور. لقد تعلَّمَت الشعوب من زلزال تونس أن لا قرار لحكم استبدادي. كان سقوط بنعلي تلميحا استوعبته الشعوب. واستوعبت أيضا أن أعداء الإسلام لم يعودوا مستعدين للتعامل مع الأنظمة الاستبدادية. لا شك أنهم سيحاولون إفشال كل محاولة لإقامة حكومة إسلامية حرة، لكنهم بعد أن يغمِزوا قناتَها ويتأكدوا من قوة بنياتها سيرجعون إلى خِطبةِ وُدّها. خاصة وأن العديد من العناصر الأساسية المتسببة في اندلاع ثورة الياسمين الشعبية تنسخ ذاتها بشكل متطابق في كل دول العالم العربي من المحيط إلى الخليج كالبطالة والانتهاكات المتوالية لحقوق الإنسان وقبضة الأمن الثقيلة على رقبة الشعب المقهور. إلخ…

من النكت الطريفة التي تداولها الشعب المصري ساعاتٍ بعد فرار بنعلي على متن طائرة خاصة والتي تعكس طبيعة المزاج في شوارع الدول العربية النكتة التالية: طائرة زين العابدين بنعلي تقترب من شرم الشيخ (مقر الرئيس المصري حسني مبارك بمنتجع البحر الأحمر) لا لتحط على الأرض، ولكن لالتقاط المزيد من الركاب). مما يؤكد أن هذه الأنظمة، على المدى المتوسط، لا محالة زائلة.

لقد بدأ الوضع في مصر ينفجر بوتيرة متسارعة في هذا الطور التاريخي بما لم يكن في حُسبان الحاسبين، ولامناص للدكتاتور الذئب الهرم من أن يتنحى عن كرسي طالما اعتبره إرثا يعض عليه بالنواجذ، شأنه في ذلك شأن كل نظام طاغ في عالمنا العربي؛ ولا يأس من يوم قريب تنزاح فيه أنظمة العض القروني عن كاهل الشعوب المستضعفة في موكب أحداث تحمل بشائر تغيُّرٍ حثيث واسع هي في آخر المطاف بشائر النصر للإسلام. إن شاء الله العلي العظيم.

يمكن أن تُقمع الانتفاضات، ولكن لا يمكن إخمادها لأنها تمثل تطلعات الشعب العربي. فما نراه اليوم هو النواة الأولى لما سيكون عليه شكل المنطقة بعد وقت ليس بالبعيد.

وفي المغرب لا جرم أن الصمت المطبق على الشعب لا يعكس الغياب بل فرصة لاستجماع عناصر القوة الداخلية، والتاريخ يشهد على هذا عندما خرج سكان الدار البيضاء سنة 1981 إلى الشوارع صغارا وكبارا رجالا ونساء للمطالبة بالعدل الاجتماعي الذي طالما وعدوا به منذ الاستقلال بعدما قصمت ظهورهم الزيادات العشوائية في المواد الغذائية وضاقت صدورهم ذرعا بالظلم الاجتماعي الذي خنقهم، لتتدخل آلة القمع الممنهج كما هو ديدنها في كل وقت وحين، فتقتل مئات الأبرياء بالرصاص، ويقضي آخرون نحبهم اختناقا بسبب الاكتظاظ في مخافر الشرطة، وبعد ذلك يُدفن مجموع القتلى في مقابر جماعية أو فردية مجهولة، ويتم اعتقال المئات من المواطنين بسبب مشاركتهم في المظاهرات أو حتى دون مشاركة فيها، ثم تقديمهم جميعا لمحاكمات صورية أصدرت أحكاما جائرة وصلت إلى عشرين سنة سجنا نافذا.

ويزداد الوضع ترديا… مما أدى إلى تفجير انتفاضة أخرى سنة 1984، ونزول عامة الناس إلى الشوارع في مسيرات ألفية أغلبها بالحسيمة والناظور وتطوان والقصر الكبير ومراكش ووجدة، وتكررت نفس مأساة التدخل العنيف والقتلى والجرحى والمعتقلين وعمليات التعذيب، إلا أن هذه المرة تميزت بمشاركة المروحيات التي بدأت تطلق الرصاص على المواطنين رجالا ونساء وأطفالا من الجو 1 .

ذكر الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله أنه كان عند الرافعي رحمه الله نسخة من كتاب كليلة ودمنة ليس لها في الدنيا ثانية، مكتوب في أحد ورقاتها بالحرف الواحد ما يلي: قال كليلة: أفلا تضرب -يا دمنة- مَثل الأيام التي تختل فيها الموازين، وتفسد المقاييس، وتضيع الحدود، حتى ينزل العالي، ويصعد الواطي؟

قال دمنة: إن مَثلَ ذلك مثل إناء فيه زيت وزئبق وماء، إذا نظرت إليه رأيت كل واحد من الثلاثة قائما مقامه، نازلا منزلته، لا يرتفع الزئبق من القعر، ولا يهبط الزيت عن الصدر، فإن هو اضطرب الإناء أو انقلب تداخلت بالاضطراب الحدود، وتعادلت بالانقلاب المنازل، فاختلط الخفيف بالثقيل، والرفيع بالوضيع، وصار أسفل من حقه العلو، وأعلى من محله السفل.

ولكن هذا الحال لا تدوم، ولابد أن يسكن المضطرب، ويستقيم المنقلب، ويعود كلٌّ إلى المكان الذي خلق له.) 2 (طبق الأصل)

إن الحكام المعاصرين على رقاب المسلمين صورة لملوك الطوائف الانهزاميين، والتجزئات القطرية المعاصرة ما هي إلا فتل في الحبل الذي يمده لنا الاستعمار المعاصر لنشنق به أنفسنا. فَلْنُجِلِ النظر ولْنُرْجِعِ البصر هل نرى من الحكام العاضِّين على رقاب المسلمين من وصل إلى الحكم بغير القوة العسكرية مباشرة أو وراثة عن جدود. يورثُ الشعوبَ الإسلاميةَ والدٌ لولدِه؟ لا يوجد.

لكن لا مناص على رأي دمنة -وهي سُنة باقية في الأمم ما بقيت الدنيا- من أن يسكن المضطرب، ويستقيم المنقلب، ويعود كلٌّ إلى المكان الذي خلق له.


[1] عن كتاب تحرير التعليم بتصرف، محمد ياسين العشاب، ص 71-72، ط الأولى 2008.\
[2] علي الطنطاوي، مقالات في كلمات، الجزء الثاني، ص 196، ط الثالثة 2004، دار المنارة للنشر والتوزيع.\