يمتزج هذه الأيام الابتهاج بالتخوف. ابتهاج بسقوط نظام بن علي وتخوف من التخلف عن موعد التاريخ في بناء نظام سياسي جديد بتونس. لقد أثبتت انتفاضة 17 دجنبر2010 أن هدم الاستبداد، رغم ما يتطلبه من جهود وتضحيات، يبقى سهلا ويسيرا بالمقارنة مع بناء الحرية والعدل والكرامة. إن الشعب تحمل مسؤوليته التاريخية في تحطيم صنم الاستبداد، لكن القوى السياسية والمدنية لا تزال لم تتحمل مسؤوليتها بعد في الاتفاق على خارطة للطريق. الجميع يندد بالطاغية ويتحدث عن غد مشرق، والجميع يعترف للشعب بثورته غير المسبوقة ويخشى من تحريف المسار، إلا أن الشعارات والخطب العصماء لم تتحول بعد إلى خطوات ثابتة على طريق التغيير، لذلك يخشى فعلا التخلف عن موعد التاريخ. وتزداد الخشية ويعظم التخوف حين نعلم أن الجبهة المضادة، في الداخل والخارج، تعمل منذ 14 يناير 2011 على إتلاف البوصلة حتى يخطئ التونسيون الاتجاه، ليس فقط إجهاضا لثورتهم، ولكن أيضا لمحاصرة النموذج التونسي في التغيير، وإحداث انتكاسة نفسية ومعنوية في العالم العربي والإسلامي، قد تطفئ شعلة الأمل في مهدها، وتشل حركة التغيير قبل تعميمها.

لذلك فالمطلوب الآن من الغيورين عن الشأن التونسي، من مفكرين ومثقفين وأكاديميين وسياسيين وغيرهم، أن يصرفوا جهودهم ويوجهوا تفكيرهم للإسهام في مستقبل تونس. لنترك مؤقتا الاشتغال بتمجيد ثورة الشعب التونسي، التي هي مجيدة بكل تأكيد، ولنؤجل الاشتغال بأسئلة: ماذا حدث؟ وكيف حدث؟.. ولنمتلك الشجاعة اللازمة للاشتغال بالسؤال الصعب: ماذا بعد؟.. ونوجه تفكيرنا، كل من موقعه، للإسهام بما يفيد في نجاح التجربة التونسية، لأن في نجاحها نجاح لنموذج من نماذج التغيير في عالمنا العربي والإسلامي.

إن الشعب، بما هو جماعة من الناس تقطن أرضا محددة ويجمعها تاريخ مشترك وتتقاسم نفس الآلام والآمال، لا يمكنه تسيير الدولة بشكل مباشر، لذلك فإن المنادين بتخويل تسيير الدولة للشعب لأنه صاحب الثورة، إما يقولون ذلك سذاجة، أو يقولونه مكرا لإفشال التجربة التونسية، أو يقصدون بذلك، وهذا هو الراجح، تفويض الشعب لسيادته وسلطته لمن يرضاهم لتمثيله. فالشعب هو مصدر السلطة وصاحبها، لكنه لا يستطيع أن يمارسها بنفسه، لذا فهو يُفوض ممارستها لممثلين يختارهم.

إن التأسيس لتغيير جذري وشامل بتونس لا بد له من مسارين متوازيين؛ مسار إداري عبر حكومة تصريف أعمال تكون مهمتها الأولى والأخيرة ضمان السير العادي لمرافق الدولة في المرحلة الانتقالية. تتكون من فضلاء لهم دراية بتسيير الشأن العام. ولا يشترط فيها، نظرا لمهمتها تلك، ضم جميع الأطراف السياسية، ولا ينبغي لهذه الأخيرة أن تحرص كل الحرص على ذلك، وإنما يشترط فيها رضا الشعب. ولا بد أن يستند هذا الرضا على معياري الأمانة والكفاءة معا. ومما يستغرب له حقا تشبث محمد الغنوشي بمنصبه وحكومته رغم الرفض الشعبي لها، ومما يزيد في الاستغراب تخيير الجنرال عمار، أعلى سلطة في الجيش، للشعب التونسي بين ثلاثة خيارات إما الفراغ والفوضى أو الديكتاتورية أو القبول بالحكومة الهجينة، في حين أن هناك خيارا رابعا يتمثل في حل حكومة محمد الغنوشي وتشكيل أخرى يرضى عنها الشعب. إنه حل سهل وممكن، ولا يصعب إلا إذا استحضرنا ضغط الجبهة المضادة التي تريد الالتفاف على الطموح الشعبي. أما المسار الثاني، الذي يوازي المسار الأول، فهو اتفاق كل الأطراف السياسية والمدنية على ميثاق وطني مرجعي، تتم صياغته على مرأى ومسمع من الشعب. يكون الهدف القريب منه تشكيل قاعدة سياسية قوية يشارك فيها الشعب بمختلف هيئاته العلمية والسياسية والحقوقية والنسائية والنقابية والمهنية والإعلامية والثقافية والاجتماعية. وتكون هذه القاعدة هي القاطرة التي تقود جهاد التعبئة والبناء. فالذي يستفاد من التجارب التاريخية في التأسيس لنظام سياسي جديد، سواء كان التغيير عن طريق ثورة أو انتقال ديمقراطي، هو الانطلاق من ميثاق مذهبي، كتابي أو عرفي، يكون في شكل عقد واحد أو عدة عقود. وغالبا ما يكون الميثاق المذهبي قبل الميثاق الدستوري. ففي إسبانيا على سبيل المثال لا الحصر أقر “الكورتيس” مشروع الإصلاح السياسي الذي قدم للاستفتاء الشعبي في 15 دجنبر 1976، وتم الاتفاق بين القوى السياسية والمدنية على مجموعة من الاتفاقات؛ كاتفاق “مونكلوا”، والاتفاق الذي يحدد دور الدين في الحياة السياسية والمعروف ب “التسامح في إطار التعاون”، والاتفاق الذي يحدد وظيفة الجيش في الدفاع عن الأمة.. لتتم بعد ذلك المصادقة على الدستور في استفتاء شعبي في 16 دجنبر 1978. ونفس الأمر حدث في البرتغال وجنوب إفريقيا وغيرهما من الدول. بل نفس الأمر كان بعد الثورة الفرنسية حيث تم تلخيص الميثاق المذهبي، قبل الميثاق الدستوري، في الثلاثية الشهيرة: الحرية والأخوة والمساواة.

إن الانطلاق من ميثاق سياسي مكتوب يرضى عنه الشعب التونسي سيمكن هذا الأخير من المشاركة في وضع النظام السياسي الجديد، كما سيمكنه من ترشيد حركته الاحتجاجية، إذ ستكون حراسته للثورة على أساس مرجعية واضحة. ولعل أجواء الحرية السائدة اليوم بتونس تساعد على أن يكون إعداد الميثاق الوطني على مرأى ومسمع فعلا من الشعب.

وينتظر من هذا الميثاق أن يحدد المبادئ الأساسية للنظام السياسي الجديد، ويضع الإطار العام لوضع الدستور، ويرسم خارطة الطريق نحو الإصلاح السياسي المنشود، كما ينتظر منه أن يحدد مسؤولية الأطراف السياسية والمدنية المشاركة فيه. وللمبادئ الأساسية أهمية خاصة إذ يطلب فيها التعبير عن طموحات الشعب. وتتمثل أهم هذه المبادئ، التي أكدها التونسيون ليس فقط من خلال نقاشاتهم ولكن أيضا من خلال دواعي انتفاضتهم وشكلها السلمي، في رفض العنف، ورفض الاستبداد بكل أشكاله، واحترام الإرادة الشعبية، والتداول على السلطة عبر الاقتراع الشعبي، وسيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان بما فيها الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وضمان الحريات الأساسية الفردية والجماعية، وإقرار التعددية السياسية، واحترام فصل السلط، وضمان استقلالية سلطة القضاء، وتحييد الجيش وتحديد وظيفته في الدفاع عن الأمة وليس الدفاع عن النظام السياسي، وإعادة الاعتبار للإسلام في الحياة العامة والخاصة للأمة التونسية.

ويشارك في الميثاق الوطني كل الفاعلين في الحياة السياسية والمدنية، الذين يتوفر فيهم شرطان اثنان؛ وجود تمثيلية جماهيرية بغض النظر عن حجمها، وإعلان القطيعة التامة مع النظام البائد. والغاية من هذا الميثاق، حسب سياق التجربة التونسية، هي وضع أرضية دولة الإنسان، التي تحترم فيها الحرية والمساواة والكرامة، ويؤسس فيها للتدبير السلمي للاختلاف، لذلك على المشاركين في الميثاق التركيز على تمتين هذه الأرضية وترك الاختلاف الإيديولوجي وتنافس المشاريع إلى الانتخابات الحرة والنزيهة والفاعلة.