يقول الباري جل وعلا في كتابه العزيز: حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.

من كان يجرُؤ على أن يحلُم – في يقظته لا منامه – أن يخرج الطاغية من “جنته” الخضراء مذؤوما مدحورا، غير مأسوف على رحيله، بل مطالبا بمحاسبته وتعزيره، لا مجرد تهجيره وتغييره؟!

من كان يجرُؤ على أن يتلفّظ باسمه، فأحرى أن يسبه ويلعنه وينعته بأبشع النعوت التي قيلت عن الراحلين من قبله، ممن ساموا الناس الخسف ومنعوهم النَّصَف، وأذاقوهم من الظلم أمَرّ مذاق في إيران والسودان والعراق…

من كان يملك الشجاعة أو عُشُرَ عُشُرها من ألف ألف إلى انقطاع النَّفَس ليكتب حرفا يُدينه، أو يتلفّظ بكلمة تُشينه، أو يتنَفَّس نَفَسا يتأفَّف من شرّه وفسقه وفجوره؟!

من كان يَقْوى على أن يُسمّي الأمور بمسمّياتها حتى في جزيرة صغيرة، وسط بحار مترامية، شرقية وغربية، وهو الآتي من عواصم الديمقراطية والحرية، ممن يستظلون بمظلة اللجوء السياسي، في إعلام “بلا حدود”، و”نقطة ساخنة”، و”اتجاه معاكس”، و”الحصاد المغاربي”، و”ما وراء الخبر”، إلا أن يكنّي، ويستعير مجازا وانزياحا ورمزا ولغزا وركزا 1 لا همزا ولا غمزا ولا عِزّا؟! ليتحوّل الحجاب في اللغة المحجّبة المنقَّبة إلى لباس وطني، ويتشكّل الدين في الأسلوب الملثّم المعقَّم إلى حرية تعبير وحرية تفكير، وتتجسّد المشاركة السياسية في إمكانية التحزّب والانتماء داخل فسيفساء المسموح به، والمأذون له، وغيرها من التّسميات التي تعني كل شيء إلا أن يُشَمّ منها رائحة الحق والصواب، والحكمة وفصل الخطاب.

اختلاف هو إذن، مجرّد اختلاف، لا شيء آخر، بين أن تتحجّبي وتتبرّجي، وأن يشرب الخمر أو الحليب أو الشاي، وبين أن تكون يهوديا أو مجوسيا أو هندوسيا أو نصرانيا أو مسلما بين قوسين، أو بين بحرين إن صدقتُك القول.

من كان من كان، أيًّا كان، داخل تونس وخارجها، إلا أن يكون الكلام همسا لا يسمع، مبهما لا يفهم، طلمسا لا لون له ولا رائحة ولا وزن.

ومن تكلّم خارج تونس فبالمرموز إن كان تونسيا خالصا مخلِصا ومحصَّنا، أو عربيا حرّا يتنهّد ملء رِئَتَيْه، ويقولها مغلّفة بغلاف الحسرة الكسيحة، أو مسلما أبِيّا يلوكها بين أسنانه بعد أن يستعيذ بالله محوقلا داعيا ـ كأنه يسأل الله معجزة نبي، أو كرامة ولي ـ أن ينتقم من الظالم، ويأخذ حق مظلومة ثكّلَها الديكتاتور المنصرم، أو أرْمَلها الدَّيْنَسور المنقرِض، أو هَتَك عِرْضها بوحوشه الكاسرة، وثعابينه الماكرة المغرور المنكسر. ناهيك عمّن سُجن وعُذّب، ونُفِي وحُجِب، أو أُسكِت وسُحِب، أو سرق ونهب، أو سُلِب وغُصِب، أو أُهين وضُرِب…

الكلّ كان يُنيب عنه دمعه المسكوب، وأنَّات قلبه المنكوب، ومداد قلمه المرهوب ليكتب عن المكتوب الذي ليس منه هروب، ثم يستغفر الله ويتوب، ويسجّل بَنات الكروب في مذكرات يضعها في الرّفوف المغبّرة، والزوايا المظلمة، إلى ما بعد العتمة.

هاهم أولاء بعد العتمة يتكلّمون: “جوّعتنا، عريتنا، قهرتنا، وضحكت علينا، وها قد جاء الوقت لنضحك نحن عليك بدَوْرِنا”، “تونس حرّة، ابن علي هرب، ما أعظمك يا شعب”.

يالله! كم هو حلمٌ أن تتكلّم بملء فيك، كم هو حلو أن تعبّر عمّا فيك، كم هو أصيل أن لا تركع إلاّ إلى ربّك، كم هو جميل أن تكون آمِنا في سِربِك…كم هو مؤلم – لكن مُلْهِم- أن يوقِد أبو عزيز الشعب نارها بجسده، وأن لا يستطيع ابن علي الغرب إطفاءها حتى بعد رحيله عن بلده، حتى وهو ابن فرنسا “العليّة” وظل ذيل الولايات المتفرقة الأمريكية، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ. رحم الله الشيخ عبد الحميد كشك حين قال: وكم مِن مَلِك ظهرَت له علامات فلمّا عَلا مَاتَ). عاد ابن العلي أبا العزيز ولم يَعُد. يالله خرج من حارب الحجاب من داره مُنقَّبا (بذلك وافَتنا الأخبار من وراء الأستار) وفرّ من استنفر كل جنوده وعتاده لمحاربة الدين ومنع المسلمين من الصيام في رمضان، والصلاة في المساجد، والحج إلى البيت الحرام؛ فرّ إلى البيت الحرام في جُنح الظلام، لم يقبل تأمين جسده إلا بيتٌ كان يسعى في خرابه، ويمنع أن يذكر اسم الله فيه، بل يمنع أن يصلى فيه إلا بعد الإدلاء ببطاقة العضوية للحيّ، والانتماء لأبناء الحيّ، لا لعباد الحيّ… هو ذا يموت بما فيه من غيظ، وآخر الدّواء من البَغي كيّ، ومكر أولئك هو يبور، ولله عاقبة الأمور.

فهل يتعظ من يسير على نفس الدرب؟ ومن يتعزز بأصدقاء الشرق وحلفاء الغرب؟ أم إنّ لهم رأيا آخر يبرر ما وقع بأن صاحبهم وقع لأنه لم يأخذ حذره، ولم يُنَفِّس عن المكبوت ليتفادى المكتوب، وأن نموذجهم مختلف، مُحَنّك مُحترِف، وأنّ شعبهم مختلف مُتفهّم متلطِّف، وأنهم لم يبلغوا ما بلغ صاحبهم من الظلم والحصر، بل حسبوا لكل شيء حسابه، ودرؤوا غضب الشعب وعقابه بحرّية متاحة مُمرَّرَةٍ ولو عبر سَمِّ الخياط، وأمانٍ معسولة مباحة دون تفريط أو إفراط، وحق مستجدى أو مملى عبر أشواط، وإعلام مسموح به في حدود، وعمل جمعوي مطروح على هامش حاشية ضاحية ناحية الممكن الموعود به في إطار الأفق المسدود، المنضبط بشروط وقيود، وحزبية مستظلة بمظلة القبة، الملتزمة بقواعد اللعبة، القاضية بالعَرَق في الحلبة، وللحَكَم صفارة البداية والنهاية وما بينهما، وله الترشيح “وحده لا شريك له” وله الترجيح والغَلَبة.

لكنّ الحَكَم الذي لا حَكَم سواه، أشهر بِيَد قَدَره الحكيم بطاقة حمراء في وجه من اعتدى وأساء، وقذف بحقّه على باطل أصبح دامغا بعد حين، ولا عدوان إلاّ على الظالمين، لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ . مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ، كذلك فعل الله بفرعون وثمود وعاد وإرم ذات العماد الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ . فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ . فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ . إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ.

إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ إياك أعني واسمعي يا جارة بل يا حارة.

رحم الله من أنقذ الخضراء بعَرَبة خُضَره، وأوقد نارها بجسده، وأتى على الأخضر واليابس من “نيرون” وأهله وصهره وولده.

وحفظ الله من رعاها بقلبه ولسانه ويده، وقصم من أراد لها السوء، وأرادها بسوء، أو لسوء بعناده ومِداده، وأعاذها الله ممن أراد وسعى لأن تكون أرضا حمراء لا خضراء، ومحجّة سوداء لا بيضاء بعدائه واستعدائه، وبما يسيل الدّموع ويذيب الضّلوع من كهنة الصنم البائد وحَشَمه وجنده.

وصبراً أبناء شعب تونس العظيم، فإنّ موعدكم الحرّية، والكرامة الآدمية، إن صَمَدتُم صمود الحكيم، من لا يستعجل الحق ضربة لازب، ومن لا يؤاكل ويشارب، بل يسدّد ويقارب، يحافظ على المكاسب، ويصانع ظرفه بما يناسب.

وحذار يا من حقّق المُهِم: (أن يرحل الديكتاتور عن البلاد، ويتحرّر من ربقة جبروته العباد) ألا تحقّقوا الأهمّ: أن يُستأصَل الفساد، ويُجتَثّ الإلحاد، وتعود للأذان كلمته، وللمسجد حرمته، وللحجاب شرعيته، وللصيام هيبته، وللحج قدسيّته… ولكل تونسي وتونسية الحق في عبادة الحق، وقول الحق، والشهادة بالقسط، والقيام لله بالعدل، لتكون كلمته هي العليا، وكلمة الذين كفروا، والذين مكروا، والذين قهروا، والذين خسِروا أنفسهم وأهليهم وشعوبهم هي السفلى. ولتكون معارضتكم للحكم المستبدّ، والنظام الفاسد شرعية لا مجرّد سياسية، أو ظرفية، أو حزبية، أو خُبزية؛ فمن أنهضه الخبز أسكته الخبز وباعة الباريزيانة. ومن أنهضه الحق لا يسكته إلا الحق. الحق في إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة) رضي الله عن ربعي بن عامر قالها لرستم، ويقولها من أراد جوار حمزة البطل سيد الشهداء، رجل قام إلى سلطان جائر وقال كلمة الحق لا يخاف في الله لومة لائم، إلى كل رستم ظالم غاشم.

وبدار أيها الشرفاء الفضلاء إلى ميثاق يوحّد الفرقاء حول كلمة سواء، ويقطع الطريق أمام “أبناء علي” شين المبعدين لئلا يعودوا من الباب بعد أن فرّوا من النافذة بوعود كاذبة، أو حلول ترقيعية ظرفية مرادها ربح الوقت إلى حين تهدأ العاصفة، وتبرد العاطفة لتحلّ الناسفة القاصفة الرّاجفة، أو ليتحوّل طوفان الشارع إلى عنف وعنف مضاد، يمهّد للمتربّص أن يصطاد في الماء العَكِر، ويُجَيّش العساكر لمصادرة الحق في التجوّل، والحق في التحوّل، ويُمَهّد السبيل نحو تدخّل أجنبي مكشوف ومبرّر بقرارات أممية رقمية، تحت يافطة حفظ الأمن، ومنع “الإرهاب” من مواصلة أعماله (الظلامية الإجرامية من شغب ونهب وسلب) يؤول إلى تسَيّب وفراغ يملأه المجهضون بما يناسب مطامح الذئاب، ومطامع الثعالب.

صبرا أيها التونسيون أحفاد ابن خلدون، حتى لا تنتَحِلوا نِحلة الغالب، ذلك أنّه إذا غابَت التقوى غَلَب الأقوى أو سيطر الهوى.

وعُذرا لمن لا ينطق عن الهوى سيدي أبي القاسم أن صِرنا غثاء، وخذَلْنا البيضاء بصمت الشيطنة الخرساء، ووَصْمة التطبيع، وبَصْمَة التوقيع على معاهدة الانتظار البليد والانكسار الوضيع. حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. صدق الله العظيم، وكذب الأفاك الأثيم.

والحمد لله أن أتى أمر الله بعد بُؤس وبَأس ويَأس، ليقول بلسان الحال والمقال والمقام، صيحة من قال ونهضة من قام أن: “الحكم لله” وأن قد: “أتى أمر الله فلا تستعجلوه” وأن “لا حول ولا قوة إلا بالله”، وأن لا إله إلا الله فاعبدوه وكبِّروه واحمدوه فهو القاهر فوق عباده، يقول للشيء كن فيكون، “فلا يستخفنك الذين لا يوقنون”، الذين آمنوا بوجودهم لا بوجود الله، وببطشهم، لا ببطش الله الشديد، الفعال لما يريد…

ومهلا أيها الشابي أبا القاسم، لقد حوَّلْنا قِطار قولك الموزون من سِكّة: إذا الشعب يوما أراد الحياة *** فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلــي *** ولابد للقيد أن ينكسـر
ومن لم يعانقه شوقُ الحياة *** تبخَّرَ في جوِّها، واندثـر
“وَمَنْ لا يحبُّ صُعُودَ الجبالِ *** يَعِشْ أبَدَ الدَّهْرِ بينَ الحُفَرْ”
كذلك قالتْ ليَ الكائناتُ *** وحدَّثَنِي رُوحُهَا المُستَتِـرْ
إلـــــى سِكّة:إذا ما أتى أمر رب رقيـب *** فلا بد أن تستجيب الشعوب
وحاشى لباغي الهدى أن يخيب *** ولا بد للمعتدي من هروب
كذلك قالت لي البيِّنات *** وحدثني وعد طه الحبيـب
أتى أمر ربي بصبح قريب *** ولا من يتوب ولا من ينيب
فهذي بداية عهد جديد *** وهذي الإشارة تكفي اللبيب
ومن لم يسمع الكلام سوف تعلمه الأيام): هكذا قال العوام في الخضراء، ويقولونها في الحمراء والبيضاء، بل في كل الأرجاء. وإلى أن يَصِلَنا مِمّن يهمّهم الأمر جواب إيجابي عن هاته الرسالة المضمونة، تقبلوا منا هاته الآيات البينات والأحاديث والأبيات جَرَسا عُلِّقَ مِن فُرْفُر، ونذارة من منذر، وأربعا من مكبّر أن قد هرب “زين العابدين” شين المبعدين ليكون عبرة للمعتبرين، وللمصرّين على محاربة الله ورسوله والمؤمنين والمستضعفين مصير مثيل هجين، مشين مهين، لتعلَمُنّ نبأه ولو بعد حين. والحمد لله رب العالمين.

استدراك

قيل في آخر الأنباء الآتية من أم القرى وطيبة خاتم الأنبياء أن ابن علي وزوجه ومن معهما من الأسرة المالكة الهالكة قد أدّوا مناسك عمرة في موكب مقنّع، وسط حزام مدرّع، آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ. إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا. وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا.

لكن رحمة الله وسعت كل شيء حتى أبخس شيء وأخسّ شيء.

ألا ما أرحمك يا غفّار! ألا ما أحلمك يا ستّار! إنّ الإنسان لظلوم كفّار !!!

انتهى استدراكي، فهل يبقى لكل باغ مبير أفّاك فرصة متاحة للاستدراك؟!!!


[1] ركزا: الركز: الصوت الخفي،وفي حديث ابن عباس في قوله تعالى فَرَّتْ من قَسْوَرَةٍ قال هو رِكْز الناس قال الرِّكْزُ الحِسُّ والصوت الخفي. لسان العرب: مادة ركز.\