منذ انطلاق الهبة الشعبية التي أطاحت بنظام الديكتاتور ابن علي في تونس، والمغاربة يعيشون على إيقاع هذه الهبة كل بطريقته الخاصة. ومن الأطراف المشاركة في التعبئة المضادة لما يعيشه العالم العربي من حراك سياسي واجتماعي، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية، عبر خطب الجمعة التي ما فتئت تصدر بنكهة تونسية. ويمكن أن تفضي هذه الخطب التي أصبحت مصدر إزعاج للمصلين بما تحمله من طابع رسمي مبالغ فيه، إلى عكس ما يسعى إليه مؤلفوها، إلا أن يكون ذلك العكس هو المقصود لذاته، لأن الشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده. فمن مصادر الإزعاج، ومظاهر الاستخفاف بعقول المغاربة، والإهانة لمشاعرهم الإيمانية، على سبيل المثال لا الحصر، أن يذكر على المنابر في هذه الأيام حدث خروج الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة ليلا متخفيا تحت ضغط كفار قريش، وهو يؤكد حبه لمكة، ولولا قومه ما خرج منها. يحدث هذا في المغرب بينما العالم بأسره يطرب فرحا بفرار سفاح تونس، ليلا تحت جنح الظلام، وتحت ضغط الشعب المقهور. المراد من هذا الخطاب أن يفهم المغاربة أن المغرب ليس كتونس، فالمغرب بلاد الحرية، والديمقراطية والحداثة، وحقوق الإنسان، لا فقر فيه ولا تهميش ولا إقصاء، والكل في نعيم… لا استحواذ على الثروة، ولا على السلطة، ولا وجود لعائلات مافيوزية…أما الطبقية والاختلاف في الأرزاق فحكم من الله عز وجل قضى به بين العباد، والصابرون يوفون أجورهم بغير حساب يوم القيامة، وأفضل الخطب ما كان عن القبر وما بعده، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. كما يريدون أن نفهم أن في أعناق جميع المغاربة طوق بيعة غير مشروطة أمضاها أجداد أجدادهم مع أجداد أجداد حكامهم، وهي سارية المفعول إلى قيام الساعة. كما يردون أن يفهم المغاربة ألا عيب في أن تكون الدولة لائيكية، وخطبة الجمعة سياسية.

لقد سيست وزارة الأوقاف الدين بطريقة مميعة، ليكون أفيونا للشعب، وهو في الأصل مصدر الروح والحياة، والقلب النابض للأمة. فتفنن المتملقون في ذلك، ثم ما فتئوا يضيفون إلى فنهم مساحيق إلى أن أصبحت اللوحة مرفوضة ذوقا وحسا ومعنى … ومنع الخطباء من أن يقولوا “هذه خطبة وزارة الأوقاف” لتبرئة ذمتهم من خطب لا يؤمنون بما فيها، وفرضت عليهم أشياء هي موضوع اقتباس متبادل بين المغربة والتونسة، وطرد من المنابر والمساجد كل من لا يسبح بحمد النظام، ومنع الاعتكاف والعبادة في المساجد خارج أوقات الصلاة، بل حتى في البيوت إذ شمع بعضها لهذا السبب، وخضع المسجد لرقابة بوليسية مشددة، وتوقفت الدولة عن القيام بواجبها في بناء ما يكفي منها، وتهاونت في ترميم المتهالك منها حتى سقطت الصوامع على جثامين المصلين، واتخذ ذلك ذريعة لإغلاق عدد كبير منها، كما أغلقت دور القرآن، وتمت عرقلة الرخص ببناء المساجد الجديدة ، ومنع التعليم الإسلامي الحر، وهمش التعليم الأصيل التابع للدولة، ومنع العديد من العلماء والخطباء الرافضين لسياسة الدولة من مزاولة الوعظ والإرشاد ، وتم تأسيس مؤسسات صورية لتدجين العلماء وإسكات صوتهم، وإبعادهم عن مجال التأثير والتأطير، ومنع الحجاب واللحية في مؤسسات عدة، ووضع تحت الرقابة المتدينون والمتدينات، وهمشوا، ونصبت المحاكم الصورية، والتهم الملفقة، ومورس الاختطاف والتعذيب والإرهاب، ومورست سياسة تجفيف منابع الإسلام في شكل محاكم التفتيش. ومن أقسى مظاهر هذا التجفيف أن المغاربة سيستوردون بعد سنين أئمة للصلاة، ولن يجدوا في البلد عالما بعلوم الفقه والشريعة.

ماذا بقي للمغاربة من خطبة الجمعة والعيدين مع هذا الخط التحريري “الأوقافي”؟ ماذا بقي بعد سلسلة المناسبات الوطنية الكثيرة، ودروس المواطنة كما تفهمها الوزارة؟هل ستواصل المنابر تعبئتها المضادة خاصة أن بعد تونس، بلاد مصر تنتفض مبشرة العالم الإسلامي بيوم مبارك قريب يسقط فيه نظام مبارك الكريه؟ وبعد مصر بلدان أخرى في الطريق إلى التحرر من حكامها وعائلاتهم؟ إن هذه الخطب لم تعد في صالح أصحابها، بل ربما في صالح البوعزيزيين من الخضارين المتجولين الذين طالما سرقت عرباتهم بجوار المساجد، ونهبت سلعهم، وكسرت موازينهم، وينتظرون خارج المسجد الخطيب أن يقول يوما “فهمتكم”.

يبدو أن الدرس التونسي لم يستوعب بالشكل المطلوب، وأن “تأطير الحقل الديني” (وأعتذر للمسلمين عن هذا التعبير اللائيكي، وللمغاربة بصفة خاصة لأنهم يعيشون معاناة مع الدال والمدلول)، سباحة ضد التيار، أو سوق للأمور إلى حيث يريد لها المدبر الحكيم أن تساق.