لا يحتاج المواطن العربي العادي، فأحرى الباحث المتخصص، إلى كبير عناء لتحديد الوجهة التي ستنحوها سفينة العرب خلال هذه السنة التي بدأت مخالفة وأكثر سخونة من سابقاتها.

بدأت السنة بمؤشرات تدل على أن هذه الأمة ستعيش سنة أتعس وأسوأ، عنوانها مزيد من القلاقل والفوضى والعنف والانقسام، وهي اضطرابات قد تعصف ببعض الأنظمة وقد تسقط المنطقة في حروب مدمرة.

البداية كانت من مصر التي شهدت، بمناسبة أعياد الميلاد، نوعا جديدا من العمليات لم تعهده من قبل حتى في أوج مواجهتها للحركات الجهادية، حين أقدم انتحاري على تفجير سيارة قرب كنيسة القديسين، مما أسفر عن سقوط العشرات من القتلى والجرحى، وهذا ما أجج الفتنة الطائفية في بلاد تشكو من هذه المعضلة الطائفية التي أصبحت قنبلة موقوتة رقمها السري عند قوى أجنبية تتحين مثل هذه الفرص لفرض تدخلها في قضايا سيادية لدولة يفترض أنها سيدة قرارها. ولذلك لاحظنا السرعة التي تجاوب بها البابا بنديكت السادس عشر مع هذا التفجير مطالبا بحماية المسيحيين من التهديدات، وتابعنا تصريح أوباما الذي عرض تقديم المساعدة على مصر. ولا شك أن تراكم هذه الأحداث يقود إلى تزايد المطالبة بالحماية الخارجية، التي تعتبر البوابة المفضلة للتدخل الأجنبي، ويرسخ في الأذهان أن هذه الشعوب لم تنجح في تحصين النسيج المجتمعي لدولة قطرية، فكيف بها تحلم ببناء الدولة القومية الواحدة؟

أما في العراق فلم يتوقف نزيف الدم وحصد الأرواح البريئة والتفجير العشوائي والنهب المتواصل للثروات والاقتتال الطائفي، وهي كلها ممارسات غايتها تبرير جدوى الوجود الأجنبي وإطالة أمده، خاصة وأن أوباما وعد بسحب جنوده في آخر هذه السنة. الرسالة التي يود محركو اللعبة إيصالها هي أن هذا الشعب لا يجسد إرادة العيش المشترك وأن هذه الأمة قاصرة وغير قادرة على تدبير شؤونها بنفسها. وقد يكون كل هذا، بطبيعة الحال، مقدمة لتقسيم جديد لهذا البلد إلى دويلات على أساس طائفي. ونتذكر أن هذه هي الوصفة السحرية التي قدمها كيسنجر، منذ عقود، لحماية أمن الكيان الصهيوني.

وفي فلسطين، يواصل الكيان الصهيوني توسعه الاستيطاني وملاحقاته العسكرية للفلسطينيين وتهديده بشن حرب جديدة على غزة. وبالمقابل، تقف الإدارة الأمريكية عاجزة ومشلولة وضعيفة، ويستمر العرب في سلبيتهم وصمتهم، ويستمر الصف الفلسطيني في التشتت والاقتتال. ومغزى كل هذا أن العرب أمة مشتتة، وأنهم لا يحسنون إلا الخطابة والشعارات الكبيرة والعبارات العاطفية، وأن فشلهم لم يقتصر على عجز في بناء سوق مشتركة ودبلوماسية جماعية وقوة موحدة، ولكنه تطور إلى حد التفرج على غاصب يحتل أرضهم ويستبيح مقدساتهم بدون مقاومة.

وبدأت السنة باستفتاء في السودان لم تهيأ له أبسط الترتيبات ليكون ناجحا، حتى لو كانت النتيجة هي الانفصال، تتفادى به المنطقة الصراعات المألوفة بين دول ناشئة عن مثل هذه الأوضاع والصراعات. ولذلك لم يدقق المشرفون على تنظيم هذا الاستفتاء، بسوء قصد طبعا، في قضايا الجنسية والحدود والديون والأصول والمياه واستغلال الثروات، وتركوا كل ذلك للابتزاز في المستقبل وإضعاف دولة الشمال المصنفة في خانة المارقين. يريد الممسكون بزمام المبادرة من خلال هذه الحادثة تقديم درس إلى دول عربية كثيرة يمكن أن تكون هذه الوصفة هي مصيرها إن لم تذعن لتوصيات السادة الأوصياء على العالم، وفيها تكبيل وإخضاع لمصر التي سيكون أمنها المائي مهددا في كل لحظة وحين، وهي التي تعتبر “هبة النيل”. ولاحظوا أن خلاصة كل هذه القضايا الساخنة تتمثل في عجز العرب عن بناء دولة على أساس المواطنة بعيدا عن الاعتبارات الدينية والعرقية واللغوية وبناء على انتخابات مفتوحة بعيدا عن المحاصصة الطائفية.

ولأنها وصفة ناجحة، فإن هناك مجهودا كبيرا يبذل لصناعة أقليات في دول أخرى، كالمغرب والجزائر، وتوظيفها في لحظة حرجة ومناسبة. ونجاح التجربة في السودان سيغذي النزعات الانفصالية في مناطق كثيرة، وستكون هذه الوصفة هي الحل.

ومن المناطق العربية الساخنة لبنان الذي تزداد حرارة مشهده السياسي بسبب القرار الاتهامي حول مقتل الحريري وما يمكن أن تسفر عنه تداعيات صدوره. وكل المعطيات تؤشر، بسبب إصرار كل فريق على رأيه وفشل كل المبادرات والوساطات، على أن البلاد مقبلة على مرحلة حرجة قد تعصف بوحدتها واستقرارها.. مؤشر آخر على ضعف الجامعة العربية التي تقف متفرجة وعاجزة كالعادة.

وأفضل مؤشر على الاستعداد للأسوأ، تلك الصفقة الخيالية التي تعتزم السعودية عقدها بمبلغ يتجاوز 60 مليار دولار لشراء أسلحة. لماذا؟ وضد من؟ ولفائدة من؟ أليس الأولى أن تصرف هذه المبالغ على مشاريع تنموية في أمة عربية يبلغ عدد الفقراء فيها 173 مليون نسمة !

وفي الموضوع الاجتماعي، ندخل- نحن العرب- هذه السنة بصدمة كبيرة جعلت الحقيقة أكبر من كل التوقعات، حيث أسقط نظام بنعلي واتسعت شرارة الاحتجاجات إلى الجزائر والأردن واليمن ومصر، ويتوقع أن تستمر هذه الاحتجاجات لمدة أطول لأن السمة الرئيسية لهذه السنة هي الارتفاع الصاروخي للأسعار، وخاصة المواد الغذائية الأساسية، بسبب ارتفاع سعر النفط وانتشار الحرائق والفيضانات في الدول المزودة للسوق العالمي بالحبوب واستعمال جزء من مخزون الحبوب في إنتاج الطاقة.

وتبقى معضلة العرب في نظم الحكم، حيث معدل أعمار أغلب الحكام يفوق السبعين، وهاجس العديد من البلدان، خلال هذه السنة، هو الثوريت، كما هو الحال في اليمن ومصر والسعودية.

هكذا نلاحظ أن الساحة العربية تغلي بالفتن الداخلية والمؤامرت الخارجية والسخط الشعبي، وهي معرضة لـ”سايس بيكو” جديدة، هدفها إضعاف الضعيف وتقسيم المقسم لتصبح هذه البلاد مرتعا لقوى الاستكبار تعيث فيها فسادا وإفسادا.

ألا يستوعب حكامنا هذه المؤامرات؟ أليس في هذه الأمة حكماء يستبقون هذه الخطط؟ أليست هناك مؤسسات قادرة على التقاط هذه الإشارات وفك رموز هذه السياسات التي تهدد أمن المنطقة واستقرارها؟

لا جواب في هذه اللحظة، ووحدها الأيام القادمة كفيلة بالإجابة.