من عظيم عناية الله بهذه الأمة أن يشملها اللطف الإلهي بعد المصاب الجلل، وأن ينتفض منها القلب المشبوب بعد سكتته المفترضة، وأن تستمسك قبضات أبنائها بأصلها ورسالتها بعد أن كاد التيار يجرفها إلى مصب الفناء.

هاهم إخواننا التوانسة يقولون كلمتهم الفاصلة في ذات أنفسهم، ويفاجئون العالم بانتفاضتهم، ويحسمون أمرهم بشجاعة لم تُفْنِهَا شدة البطش، ولم يُخْرِسها طول أمد الاستبداد.

وها هي شعوب أخرى في أقطار شتى تخرج إلى الشارع، وتغالب قبضة الدكتاتوريات الجاثمة.

نعم، إننا نشهد اليوم تحولا كبيرا في الخارطة السياسية والشعبية، تقودها الشعوب والمخلصون من هذه الأمة في كل قُطر، ونَتَسَمَّعُ هدير الطوفان الموعود الذي أودت أولى موجاته بطاغية تونس، وترتعد فرائص الظلم من قوة هذا الطوفان في كل أرض انتصب فيها جَلاَّدٌ ومستبد آمرا ناهيا متسلطا باطشا… نعم، ولكن ينبغي أن نحذر وننتبه:

أولا: لحجم الجهد الكبير الذي يبذله أعداء أمتنا التاريخيون، ومدى النَّفَس الطويل الذي يتمتعون به، وطبيعة المخاتلة والغدر الذي تمرسوا به على مدى تاريخ طويل من الصراع، ومستوى إخلاصهم العميق لما يؤمنون به ويتوارثونه ويورثونه اللاحقَ من أجيالهم.

ثانيا: لمستوى الخرق الذي خرقه هؤلاء الأعداء في حصن الأمة حتى أصبح لهم فينا (وليس منا) حلفاءُ وخُلَفاءُ ووكلاءُ ينفذون تدبيرهم عنهم، ويربطون مصيرهم ووجودهم وكراسيهم برضاهم عنهم وثقتهم بولائهم لهم.

ثالثا: للحرب الإعلامية الموجهة التي يقودها سياسيون وإعلاميون يحاولون تعطيل أو تبطيء حركة ووتيرة وعي الشعوب بمصدر قوتها وعنفوانها وبمنبع أزمتها ونكستها، ويجتهدون لتلميع صورة الحكم الظالم لاستبعاد أي نسب للاستبداد يجمع نظام تونس السابق باللاحق به من أنظمتنا الجبرية.

إن على الأمة وعلى المخلصين منها أن يبقوا منتبهين متيقظين لدفع محاولات تنويم هذه اليقظة المبشرة بالخير، ولمنع تعويم حقيقة دوافعها السياسية في مجرد مطالب خُبْزِيَّة، ولكشف محاولات الفصل ما بين المخلصين الذين يعملون منذ عشرات السنين على زرع روح الأمل في الناس وكشف حقيقة الاستبداد وجوهره، وبين الشعوب التي استعادت عافيتها واستأنفت حياتها من جديد، وهَبَّت من رقدتها الطويلة، وأطارت، بفضل الله، أول بيدق من بيادق الرقعة في لعبة الأمم.